سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣٩
وأهله ، على غابر الأيام وباقي الدهور ، ليقتدي بهم من يأتي من بعدهم من المسلمين .
أما بعد ، فإن الله بمنه وكرمه بعث محمداً رسولاً إلى الناس كافة بدينه الذي ارتضاه لعباده ، فأدى ذلك وبلغ ما أمره الله به ، وأوجب علينا القيام بجميعه ، حتى إذا أكمل الدين وفرض الفرائض وأحكم السنن واختار ما عنده ، فقبضه إليه مكرماً محبوراً من غير أن يستخلف أحداً من بعده ، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم من وثقوا برأيه ونصحه لهم ، وإن للمسلمين برسول الله أسوة حسنة ، قال الله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ، وإن رسول الله ( ( ٦ ) ) لم يستخلف أحداً ، لئلا يجري في أهل بيت واحد فيكون إرثاً دون سائر المسلمين ، ولئلا يكون دولة بين الأغنياء منهم ، ولئلا يقول المستخلف إن هذا الأمر باق في عقبه من ولد إلى ولد إلى يوم القيامة .
والذي يجب على المسلمين عند مضي خليفة من الخلفاء ، أن يجتمع ذووا الرأي والصلاح منهم فيتشاوروا في أمورهم ، فمن رأوه مستحقاً لها ولوه أمورهم ، وجعلوا القيم عليهم ، فإنه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة ، فإن ادعى مدع من الناس جميعاً أن رسول الله استخلف رجلاً بعينه نصبه للناس ونص عليه باسمه ونسبه ، فقد أبطل في قوله ، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله ، وخالف على جماعة المسلمين ، وإن ادعى مدع أن خلافة رسول الله إرثٌ وأن رسول الله يُورث ، فقد أحال في قوله لأن رسول الله قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة .
وإن ادعى مدع أن الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من بين الناس جميعاً ، وأنها مقصورة فيه ولا تنبغي لغيره ، لأنها تتلو النبوة ، فقد كذب ، لأن النبي قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .
وإن ادعى مدع أنه مستحق الإمامة والخلافة بقربه من رسول الله ، ثم هي مقصورة عليه وعلى عقبه يرثها الولد منهم من والده ، ثم هي كذلك في كل عصر وكل زمان ، لا تصلح لغيرهم ، ولا ينبغي أن تكون لأحد سواهم ، إلى أن يرث