سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣٣
رسوله في سنة عشرمن مهاجرته من مكة إلى المدينة ، أن يحج هو ويحج الناس معه ، فأوحى إليه بذلك : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، فأمر رسول الله ( ( ٦ ) ) المؤذنين فأذنوا في أهل السافلة والعالية ألا إن رسول الله ( ( ٦ ) ) قد عزم على الحج في عامه هذا ، ليُفهم الناس حجهم ويُعلمهم مناسكهم ، فيكون سنَّةً لهم إلى آخرالدهر . قال : فلم يبق أحد ممن دخل في الإسلام إلا حج مع رسول الله ( ( ٦ ) ) لسنة عشر ، ليشهدوا منافع لهم ويعلمهم حجهم ويعرفهم مناسكهم . وخرج رسول الله ( ( ٦ ) ) بالناس وخرج بنسائه معه وهي حجة الوداع ، فلما استتم حجهم وقضوا مناسكهم ، وعرَّف الناس جميع ما احتاجوا إليه ، وأعلمهم أنه قد أقام لهم ملة إبراهيم ( ٧ ) ، وقد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده ، ورد الحج إلى حالته الأولى ، ودخل مكة فأقام بها يوماً واحداً ، هبط عليه الأمين جبرائيل ( ٧ ) بأول سورة العنكبوت فقال إقرأ يا محمد : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ .
فقال رسول الله ( ( ٦ ) ) : يا جبرائيل وما هذه الفتنة ؟ فقال : يا محمد إن الله تعالى يقرؤك السلام ويقول لك : إني ما أرسلت نبياً قبلك إلا أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على أمته من بعده من يقوم مقامه ، ويحيي لهم سنته وأحكامه ، فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسول الله ( ( ٦ ) ) الصادقون ، والمخالفون على أمره هم الكاذبون ، وقد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته ، وهو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك علي بن أبي طالب ( ٧ ) ، وتعهد إليه فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك ، إن أطاعوه أسلموا ، وإن عصوه كفروا ، وسيفعلون ذلك ! وهي الفتنة التي تلوت الآي فيها ، وإن الله عز وجل يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك وتستحفظه جميع ما استحفظك واستودعك ، فإنه الأمين المؤتمن .
يا محمد ، إني اخترتك من عبادي نبياً ، واخترته لك وصياً .