سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٠٨
صرحت له العبر عما بين يديه من المثُلات ، حجزته التقوى عن تقحم الشبهات .
ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم ( ( ٦ ) ) ، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، ولتغربلن غربلة ، ولتُسَاطُنَّ سوط القدر ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم ، وليسبقن سابقون كانوا قصروا ، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا . والله ما كتمت وشمة ، ولا كذبت كذبة ، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم ! ألا وإن الخطايا خيلٌ شُمُسٌ حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار ، ألا وإن التقوى مطايا ذُلَلٌ حمل عليها أهلها ، وأُعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة . حق وباطل ولكل أهل ، فلئن أمرَالباطل لقديماً فعل ، ولئن قل الحق فلربما ولعل ، ولقلَّما أدبر شئ فأقبل .
ثم قال الشريف الرضي : ( ومن هذه الخطبة : شُغِلَ مَنِ الجنة والنار أمامه . ساعٍ سريعٌ نجا ، وطالبٌ بطئ رجا ، ومقصرٌ في النار هوى . اليمين والشمال مَضَلة ، والطريق الوسطى هي الجادة ، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ، ومنها منفذ السنة ، وإليها مصير العاقبة . هلك من ادعى وخاب من افترى . من أبدى صفحته للحق هلك وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره . لا يهلك على التقوى سنخُ أصلٍ ، ولا يظمأ عليها زرعُ قوم . فاستتروا ببيوتكم ، وأصلحوا ذات بينكم ، والتوبة من ورائكم ولا يحمد حامد إلا ربه ، ولا يَلُمْ لائم إلا نفسه ) . ( نهج البلاغة : ١ / ٤٦ ) .
٧ . الخطبة برواية المفيد ؟ رح ؟
قال ( رحمه الله ) : ( روت العامة والخاصة عن أمير المؤمنين ( ٧ ) ، وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لايتهمه خصوم الشيعة في روايته : أن أمير المؤمنين قال في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على الأمر ، وذلك بعد قتل عثمان بن عفان :
« أما بعد ، فلا يرعينَّ مُرْعٍ إلا على نفسه ، شُغِل من الجنة والنار أمامه : ساعٍ مجتهد ، وطالبٌ يرجو ، ومقصرٌ في النار . ثلاثة واثنان ، ملكٌ طار بجناحيه ، ونبيٌّ أخذ الله بيديه ، لاسادس . هلك من ادعى ، ورديَ من اقتحم . اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة . منهجٌ عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة .
إن الله تعالى داوى هذه الأمة بدوائين : السوط والسيف ، لا هوادة عند الإمام فيهما ،