سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٠٤
ثم قام طلحة والزبير فقالا : نبايعك يا أمير المؤمنين على أن علينا بيعة المهاجرين ، ثم قام أبو الهيثم بن التيهان وعقبة بن عمرو وأبو أيوب ، فقالوا : نبايعك على أن علينا بيعة الأنصار ، وسائر قريش .
وبايع الناس إلا ثلاثة نفر من قريش : مروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص ، والوليد بن عقبة ، وكان لسان القوم ، فقال : يا هذا إنك قد وترتنا جميعاً ، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه ثور قريش ، وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمه إليه ، فتُبايعنا على أن تضع عنا ما أصبنا ، وتعفي لنا عما في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا .
فغضب علي وقال : أما ما ذكرت من وتري إياكم ، فالحق وتركم ، وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله تعالى ، وأما إعفائي عما في أيديكم ، فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم . وأما قتلي قتلة عثمان ، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غداً ، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه ، فمن ضاق عليه الحق فالباطل عليه أضيق . وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم . فقال مروان : بل نبايعك ، ونقيم معك ، فترى ونرى !
وقام قوم من الأنصار فتكلموا ، وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ، وكان خطيب الأنصار فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس فقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون ، وما احتجت إلى أحد مع علمك !
ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري وهو ذو الشهادتين ، فقال : يا أمير المؤمنين ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ، ولا كان المنقلب إلا إليك ، ولئن صدقنا أنفسنا فيك فلأنت أقدم الناس إيماناً ، وأعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين برسول الله ( ( ٦ ) ) ، لك ما لهم ، وليس لهم ما لك .
وقام صعصعة بن صوحان فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لقد زينت الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، ولهي إليك أحوج منك إليها .
ثم قام مالك بن الحارث الأشتر فقال : أيها الناس ، هذا وصي الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء ، الحسن الغناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ، ورسوله بجنة الرضوان . من كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل .
ثم قام عقبة بن عمرو فقال : من له يوم كيوم العقبة ، وبيعة كبيعة الرضوان ، والإمام الأهدى ، الذي لا يخاف جوره ، والعالم الذي لا يخاف جهله ) .
٤ . الخليفة الوحيد الذي لم يجبر أحداً على بيعته !
كل خلفاء قريش أجبروا الناس على بيعتهم بالتهديد بالسيف ، إلا علي ( ٧ ) فهوالوحيد الذي لم يجبرأحداً ! فلم يهدد بسيف ، ولا بحطبَ وحرق بيوت ! لأن واجبه إعادة الإرادة الحرة للإنسان المسلم ، التي صادرها زعماء قريش بمجرد أن أغمض النبي ( ( ٦ ) ) عينيه !
وكيف يجبر عليٌّ أحداً على بيعته وهوالإنسان الصافي الإنسانية ، أباً عن جد من أبي طالب إلى إبراهيم إلى آدم ( : ) والمؤمن بمحمد ( ( ٦ ) ) وما أنزل عليه من فرض احترام الإنسان ، وحقوقه في الإسلام .
كيف يجبر أحداً على بيعته ، وهو التقي الذي يخاف من معصية ربه في نملة يسلبها جلب شعير ، فكيف يتعدى على حق إنسان له كرامته وحرمته عند الله !
وهو الصادق عندما قصَّ للمسلمين على المنبر قصة الأشعث زعيم كندة ، الذي أراد أن يرشيه ليوليه على منطقة من مناطق المسلمين ، فوسط له الوسطاء ، وتملق إليه بالكلام ، وجاءه بطبق حلوى ! قال ( ٧ ) :