سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٤٨
ورجع إلى منزله ، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول : والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه !
ثم إن علياً جاء عثمان بعد انصراف المصريين ، فقال له : تكلم كلاماً يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوغ والإنابة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك ، فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة فتقول يا علي إركب إليهم ، ولا أقدر أن أركب إليهم ، ولا أسمع عذراً ، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول يا علي إركب إليهم ، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك !
قال فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة فقام : فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله ، وما جئت شيئاً إلا وأنا أعرفه ، ولكني مننتني نفسي وكذبتني ، وضل عني رشدي ! ولقد سمعت رسول الله ( ( ٦ ) ) يقول من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة ، إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق ، فأنا أول من اتعظ : أستغفر الله مما فعلت ، وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم ، فوالله لئن ردني الحق عبداً لأستنن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد ، ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر وإن عتق شكر ، وما عن الله مذهب إلا إليه ، فلايعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلي ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي . قال فرق الناس له يومئذ ، وبكى من بكى منهم .
وقام إليه سعيد بن زيد فقال : يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك ، الله الله في نفسك فأتمم على ما قلت ، فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيداً ونفراً من بني أمية لم يكونوا شهدوا الخطبة ، فلما جلس قال مروان : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت ؟ فقالت نائلة ابنة الفرافضة امرأة عثمان الكلبية : لا بل أصمت ، فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه ، إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها ، فأقبل عليها مروان فقال : ما أنت وذاك فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ ، فقالت له : مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء ، تخبر عن أبي وهوغائب تكذب عليه ، وإن أباك لا تستطيع أن تدفع عنه . أما