سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٤٧
فلما نزل القوم ذا خشب جاء الخبر أن القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع ، وأتى رسولهم إلى علي ليلاً ، وإلى طلحة ، وإلى عمار بن ياسر ، وكتب محمد بن أبي حذيفة معهم إلى علي كتاباً ، فجاؤوا بالكتاب إلى علي فلم يظهر على ما فيه ، فلما رأى عثمان ما رأى جاء علياً فدخل عليه بيته فقال : يا ابن عم إنه ليس لي مترك ، وإن قرابتي قريبة ، ولي حق عظيم عليك وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم ، وهم مصبحيَّ وأنا أعلم أن لك عند الناس قدراً ، وأنهم يسمعون منك ، فأنا أحب أن تركب إليهم فتردهم عني ، فإني لا أحب أن يدخلوا علي ، فإن ذلك جرأة منهم علي ، ويسمع بذلك غيرهم .
فقال علي : علامَ أردهم ؟ قال : على أن أصير إلى ما أشرت به علي ورأيته لي ، ولست أخرج من يديك . فقال علي : إني قد كنت كلمتك مرة بعد مرة ، فكل ذلك نخرج فنتكلم ونقول وتقول ، وذلك كله فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية ، أطعتهم وعصيتني !
قال عثمان : فإني أعصيهم وأطيعك . قال : فأمر الناس فركبوا معه المهاجرون والأنصار . قال : فمكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاءه مروان فقال له : تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا ، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً فإن خطبتك تسير في البلاد ، قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم ، فيأتيك من لا تستطيع دفعه . قال : فأبى عثمان أن يخرج . قال : فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم . قال فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد : إتق الله يا عثمان ، فإنك قد ركبت نهابير وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب . قال فناداه عثمان : وإنك هناك يا ابن النابغة ! قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل !
قال : فنودي من ناحية أخرى : تب إلى الله وأظهرالتوبة يكف الناس عنك . قال : فرفع عثمان يديه مدا واستقبل القبلة فقال : اللهم إني أول تائب تاب إليك