سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٠٤
٤ . قال نصر بن مزاحم في وقعة صفين / ٨٢ : ( لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام ، أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال : يا عمرو ، إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله ابن عمر ، وقد رأيت أن أقيمه خطيباً فيشهد على علي بقتل عثمان وينال منه .
فقال : الرأي ما رأيت ، فبعث إليه فأتى فقال له معاوية : يا ابن أخي إن لك اسم أبيك ، فانظر بملء عينيك ، وتكلم بكل فيك فأنت المأمون المصدق ! فاصعد المنبر واشتم علياً واشهد عليه أنه قتل عثمان . فقال : يا أمير المؤمنين ، أما شتميه فإنه علي بن أبي طالب ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، فما عسى أن أقول في حسبه . وأما بأسه فهو الشجاع المطرق . وأما أيامه فما قد عرفت : ولكني ملزمه دم عثمان . فقال عمرو : إذاً والله قد نكأت القرحة .
فلما خرج عبيد الله قال معاوية : أما والله لولا قتله الهرمزان ومخافة عليٍّ على نفسه ما أتانا أبداً ، ألم تر إلى تقريظه علياً ! فقال عمرو : يا معاوية إن لم تغلب فاخلب . فلما قام خطيباً تكلم بحاجته ، حتى إذا أتى إلى أمر عليٍّ أمسك ولم يقل شيئاً ، فقال له معاوية : ابن أخي إنك بين عيٍّ أو خيانة ! فبعث إليه : كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان ، وعرفت أن الناس محتملوها عني ، فهجره معاوية واستخف بحقه وفسَّقه ، فقال عبيد الله :
معاوي لم أخرص بخطبة خاطب * ولم أك عياً في لؤي بن غالب
ولكنني زاولت نفساً أبية * على قذف شيخ بالعراقين غائب
وقذفي علياً بابن عفان جهرة * يجدع بالشحنا أنوف الأقارب
فأما ابن عفان فأشهد أنه * أصيب بريئاً لابساً ثوب تائب
حرام على آهاله نتف شعره * فكيف وقد جازوه ضربة لازب
وقد كان فيها للزبير عجاجة * وطلحة فيها جاهد غير لاعب
وقد أظهرا من بعد ذلك توبةً * فيا ليت شعري ما هما في العواقب
فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه وقربه ، وقال : حسبي هذا منك ) .