سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٤٥
الحمد لله المتفرد بدوام البقاء ، المتوحد بالملك ، الذي له الفخر والمجد والثناء ، خضعت له الآلهة بجلاله ، ووجلت القلوب من مخافته . فلا عدل له ولاند ، ولا يشبهه أحد من خلقه . ونشهد له بما شهد به لنفسه وأولوا العلم من خلقه : لا إله إلاّ الله ، ليس له صفة تنال ، ولا حد تضرب له الأمثال ، المُدِرُّ صوبَ الغمام ، ببنات نطاف ، ومتهطل الرباب ، بوابل الطل ، فرش الفيافي والآكام بشقيق الدمن ، وأنيق الزهر ، وأنواع النبات المبجس . بثق العيون الغزار من صُم الأطواد ، يبعث الزلال حياة للطير والهوام والوحش ، وسائر الأنعام والأنام . فسبحان من يدان لدينه ، ولا يدان لغير دينه دين ، وسبحان الذي ليس لصفته نعت موجود ، ولا حد محدود .
ونشهد أن محمداً ( ( ٦ ) ) عبده المرتضى ونبيه المصطفى ورسوله المجتبى ، أرسله الله إلينا كافة ، والناس أهل عبادة الأوثان وجموع الضلالة ، يسفكون دمائهم ، ويقتلون أولادهم ، ويخيفون سبلهم ، عيشهم الظلم ، وأمنهم الخوف ، وعزهم الذل ، مع عنجهية عمياء وحمية ، حتى استنقذنا الله بمحمد ( ( ٦ ) ) من الضلالة ، وهدانا بمحمد من الجهالة ، وانتاشنا بمحمد ( ( ٦ ) ) من الهلكة ، ونحن معاشر العرب أضيق العرب معاشاً ، وأخشنهم رياشاً ، جِلُّ طعامنا الهبيد ، وجلّ لباسنا الوبر والجلود ، مع عبادة الأوثان والنيران ، فهدانا الله بمحمد ( ( ٦ ) ) إلى صالح الأديان ، وأنقذنا من عبادة الأوثان ، بعد أن أمكنه الله من شعلة النور ، فأضاء لمحمد ( ( ٦ ) ) مشارق الأرض ومغاربها ، فقبضه الله إليه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون فما أجل رزيته وأعظم مصيبته ، فالمؤمنون فيه طراً مصيبتهم واحدة » .
أقول : هذا الكلام في مطلع مناشدته لأهل الشورى . ولعل كلامه ( ٧ ) استغرق ساعتين وأكثر ، وقد ورد أنه خطب في أوله بحمد الله تعالى والثناء عليه .
وأكمل رواية للمناشدة رواها الصدوق في الخصال ( ٢ / ٥٥٣ ) والطبرسي في الإحتجاج ( ١ / ٣٢٠ ) من حديث الإمام الباقر ( ٧ ) ، وقد أورد فيه مئة مناشدة . قال :
( إن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة وأجمع على الشورى ، بعث إلى ستة نفر