حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨ - إيتاء السفهاء الأموال
وَ اكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً[١]. في الآية احتمالان:
أحدهما: المراد بالسفهاءهم الأيتام أو مطلقهم، و الأموال أموالهم، و إنّما أضافها إلى المخاطبين باعتبار ما، كقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، و إن شئت فقل:
إنّ مجموع الأموال لمجموع الأفراد و المجتمع الإنساني و إن اختصّ بعضها ببعضهم حسب الأسباب المقرّرة في الفقه. و معنى «جعل اللّه لكم قياما» جعل اللّه لكم فيها قيمومة، و المراد أنّ سفه المالكين مانع من إيتاء مالهم لهم، بل الواجب هو إيتاء نفقتهم و كسوتهم في مالهم.
نعم، لا يجوز إهانتهم في الكلام، بل يقال لهم قولا معروفا. و قيل: إنّما قال:
وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها ف «فيها» مكان «منها» باعتبار أن يتّجر الوليّ بمالهم و يرزقهم من ربحه لا من أصله، و الذي يدعم هذا الاحتمال أمران:
[الأمر] الأوّل: ملاحظة ما قبل الآية من الآيات، و بعبارة أخرى: السياق.
[الأمر] الثاني: الأمر بالرزق و الكسوة فيها؛ إذا الأمر ظاهر في الوجوب، و لا يجب على الناس رزق السفهاء و كسوتهم إذا لم يكن من مالهم، و صرف الخطاب إلى من يجب نفقتهم عليه خلاف الظاهر.
ثانيهما: أنّ المراد مطلق السفهاء، و الأموال أموال المخاطبين، كما هو ظاهر قوله:
أَمْوالَكُمُ و ظاهر قوله: جَعَلَ اللَّهُ ... أي جعلها اللّه لكم قياما و معيشة، و عليه فليس في الاية حكم تشريعيّ مولويّ، بل مفادها هو الإرشاد إلى حفظ المال بعدم إيتائه للسفهاء؛ فإنّ دفعها إليهم يجعلها في مظنّة التلف و الضياع، و الذي يدلّ عليه أمور:
الأمر الأوّل: إضافة المال إلى المخاطبين دون السفهاء، و هذا دليل قويّ.
الأمر الثاني: الآية التالية لهذه الآية و هي قوله تعالى: وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ...؛ إذ بناء على الاحتمال الأوّل يكون إحدى الآيتين مكرّرة (تقريبا) مع أنّ المناسب عليه أن يقال: «و ابتلوهم» لا
[١] . النساء( ٤): ٥.