حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٠٢ - ٤٥٣ كتمان الشهادة
«و شهادة الزور، و كتمان الشهادة؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.»[١]
و هنا مباحث كما تأتي:
المبحث الأوّل: هل كتمان الشهادة حرام أو أداؤها واجب؟ ظاهر جمع من الفقهاء و معقد إجماعهم هو الثاني، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ.[٢] بناء على عدم اختصاصه بموضوع الطلاق، و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ[٣]؛ فإنّه و إن لم يدلّ على الوجوب دلالة تامّة إلّا أنّه يدلّ على أنّ الشهادة ممّا أمر بإقامته لا أنّ كتمانه منهيّ عنه.
لكن ظاهر الآية الأولى و قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ.[٤] بناء على شموله للمقام، و قوله: وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ.[٥] و صحيح السيّد المتقدّم حرمة كتمانها، و اللّه العالم.
المبحث الثاني: الحكم المذكور سواء كان وجوبا أو حرمة- عينيّ أو كفائيّ؟
ظاهر الأدلّة هو الأوّل، كما لا يخفى إلّا أن ظاهر الأصحاب الإطباق على الكفاية، بل استفاض في عباراتهم نقل الإجماع، و نفي الخلاف على ذلك؛ مؤيّدا بظهور كون الحكمة في وجوب الأداء و حرمة الكتمان ضياع الحقّ؛ و من المعلوم عدم توقّف ذلك على شهادة الجميع، كما في الجواهر.[٦]
و إذا شككنا فيه، فهل قضيّة الأصل الأوّلي العينيّة أو الكفائيّة؟ يحتمل الثاني؛ للشكّ في أصل التكليف، فيرجع إلى نفيه عند قيام الغير بالعمل، لكنّ الأقوى كما قرّرنا في أصول الفقه- هو الأوّل؛ فإنّ تعلّق التكليف و توجّه الخطاب معلوم، و سقوطه عن
[١] . راجع: وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٢٢٥، و ج ١٨، ص ٢٢٧. و التعليل لا يثبت كونه كبيرة، فهو تعبّديّ مع أنّه اشتهر لزوم كون التعليل عقلائيّا، و هذا الإشكال يجري في جملة من التعليلات المذكورة في صحيح السيّد عبد العظيم، و اللّه العالم.
[٢] . الطلاق( ٦٥): ٣.
[٣] . المعارج( ٧٠): ٣٣.
[٤] . البقرة( ٢): ١٤٠.
[٥] . المائدة( ٥): ١٠٦.
[٦] . جواهر الكلام، ج ٤١، ص ١٨٤.