حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥١٤ - ٣٧٩ الغيبة
قوله رحمه اللّه تعالى:
ثمّ ظاهر هذه الأخبار كون الغيبة من الكبائر، كما ذكره جماعة، بل أشدّ من بعضها. و عدّ في غير واحد من الأخبار من الكبائر الخيانة، و يمكن إرجاع الخيانة إليها، فأيّ خيانة أعظم من التفكّه بلحم الأخ ...[١]
أقول: لا دليل معتبر على كونها من الكبائر، و إن أكثروا القول فيه. و أمّا عدّ الخيانة من الكبائر، فهو في روايتين لا يبعد حسن إحداهما، لكنّ في شمولها للغيبة نظر، أو منع؛ لإمكان استظهار ضدّ الأمانة منها، و لا يسمع دعوى البداهة من سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله).[٢]
قوله: «ثمّ إنّ ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن، فيجوز اغتياب المخالف».
أقول: ظاهر الآية هو العموم؛ فإنّ المؤمن في عصر نزول القرآن أعمّ من المصطلح عليه اليوم، و الأخوّة في ذيل الآية غير مخصّصة؛ لصدق الأخ الدينيّ على المخالف أيضا. و إنّما وجب التبرّيّ من أهل البدع في بدعهم.
و في الجواهر و غيرها الاستدلال على الجواز من جهة جواز غيبة المتجاهر؛ إذ المخالف قد تجاهر بأعظم الفسق. و هو استدلال عجيب؛ فإنّ المخالفين لا يرون اعتقادهم و أعمالهم باطلة، و معصية و فسقا حتّى يكونوا متجاهرين بها. فهل يفتي هؤلاء الأجلّة بجواز غيبة المؤمن المخطئ في بعض عقائده أو أعماله اجتهادا أو تقليدا؟
و المتجاهر من تجاهر بالمعصية مع العلم بعصيانها، و على الجملة، لا دليل لفظيّ يدلّ على جواز غيبة المخالف.
نعم، لا ينبغي إنكار الارتكاز على جوازه، بل جريان السيرة عليه و إن كان الأحوط هو المنع، كما اختاره المحقّق الأردبيلي قدّس سرّه و إن فصّل المامقاني المقال في حاشيته على المقام، نقدا على الأردبيلي؛ و اللّه العالم.
[١] . أي قول الشيخ الأنصاريّ في مبحث الغيبة من مكاسبه.
[٢] . اللّهمّ إلّا أن تستفاد كبارتها من تعلّق الذمّ المعتدّ به بها؛ فإنّه دليل على الكبارة، كما سيأتى في خاتمة هذا الجزء.