حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٦ - مجادلة أهل الكتاب بغير الأحسن
مجادلة أهل الكتاب بغير الأحسن
قال اللّه تعالى: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[١].
قال في المجمع:
أي بالطريق التي هي أحسن، و إنّما يكون أحسن إذا كانت المناظرة برفق و لين؛ لإرادة الخير و النفع بها و في هذا دلالة على وجوب الدعاء إلى اللّه تعالى على أحسن الوجوه و ألطفها، و استعمال القول الجميل في التنبيه على آيات اللّه[٢].- و قال في تفسير الاستثناء-: ... و الأوّل: أن يكون معناه إلّا الذين ظلموك في جدالهم، أو في غيره ممّا يقتضي الإغلاظ لهم.
أقول: الدلالة على الوجوب المذكورة ممنوعة؛ لأنّ المتيقّن من الاستثناء من الحرمة هو الجواز دون اللزوم. نعم، قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ دالّ على الوجوب، لكنّ التعدّي من المخاطب- و هو النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و آله- إلى غيره، محتاج إلى دليل مفقود[٣]، و يحتمل أن يكون النهي إرشادا و يحتمل الكراهة بقرينة كلمة «أحسن»؛ إذ حرمة المجادلة بالحسن بعيدة حدّا، و اللّه العالم.
ثمّ بناء على الحرمة، هل يلحق بأهل الكتاب سائر فرق الكفّار، و الفرق الضالّة من المسلمين، بل المؤمنين في المسائل العلميّة الخلافيّة أم لا؟ فيه وجهان، و كأنّما الأوّل أظهر.
و أمّا بناء على الإرشاد أو الكراهة، فالظاهر هو الإلحاق؛ لعدم الفرق في الأخلاقيات و الهداية إلى الحقّ بأحسن الطريق بين أفراد الإنسان.
[١] . العنكبوت( ٢٩): ٤٦.
[٢] . يحتمل قويّا أنّ المراد بالأحسن- زيادة على ما ذكره- اتّخاذ مادّة الجدل من القطعيّات دون الظنّيّات و دون الشعريّات و المغالطات.
[٣] . القلب يشهد بالتعدّي.