كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩١٥ - تنبيه
تكون بما في يديك أوثق مما في يد اللّه تعالى، و أن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها، لو أنّها بقيت لك» [١]. و لا يعارض ما مرّ من تفسير الزهد لأنّ الترمذي ضعّفه و لأنّ أحمد رواه موقوفا على أبي مسلم الخولاني [٢] بزيادة «و أن يكون مادحك و ذامّك في الحق سواء» [٣]. و قد اشتمل ثلاثة أمور كلها من أعمال القلب دون الجوارح، و من ثم كان أبو سليمان يقول لا نشهد لأحد بالزهد لأنّه في القلب. و منشأ أول تلك الأمور الثلاثة من صحة اليقين و قوته فإنّه تعالى يتكفّل بأرزاق عباده كما في آيات كثيرة. و في حديث مرفوع: «من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق مما في يده» [٤]. و قال الفضيل [٥]: أصل الزهد الرضا عن اللّه عز و جل، و القنوع هو الزهد و هو الغنى، فمن حقّق اليقين وثق في أموره كلها باللّه و رضي بتدبيره له، و غنى عن الناس، و إن لم يكن له شيء من الدنيا. و منشأ ثانيها من كمال اليقين، و من ثمّ روي أنّ من دعائه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «اللّهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك و من اليقين ما تهون به علينا من مصائب الدنيا» [٦]. و قال علي كرّم اللّه وجهه:
من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب. و منشأ ثالثها من سقوط منزلة المخلوقين من القلب و امتلائه من محبة الحقّ و إيثار رضاه على رضا غيره، و أن لا يرى لنفسه قدر الوجه. و من ثمّ كان الزاهد في الحقيقة هو الزاهد في مدح نفسه و تعظيمها. و لذا قيل: الزهد في الرئاسة أشدّ منه في الذهب و الفضة. و قيل لبعض السلف من معه مال هل هو زاهد؟ فقال نعم إن لم يفرح بزيادته. و قال سفيان الثوري [٧]: الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ و لا بليس العباء.
و من دعائه صلى اللّه عليه و سلم: «اللّهم زهدنا في الدنيا و وسّع علينا منها و لا تزوها عنا فترغبنا فيها» [٨]. و قال أحمد: هو قصر الأمل و اليأس مما في أيدي الناس، أي لأنّ قصره يوجب محبّة لقاء اللّه تعالى بالخروج من الدنيا و هذا نهاية الزهد فيها و الإعراض عنها. هذا كله خلاصة ما في فتح المبين شرح الأربعين في شرح الحديث الحادي و الثلاثين و مجمع السلوك و خلاصة السلوك.
و أورد في الصحائف: الزهد عندنا على ثلاث مراتب:
١- المرتبة الأولى: الزهد في الدنيا و هذا
[١] رواه الترمذي ج ٤/ ٢٧٧.
[٢] هو عبد اللّه بن ثوب الخولاني. توفي بدمشق عام ٦٢ ه/ ٦٨٢ م. تابعي، فقيه، زاهد. و كان يقال عنه: أبو مسلم حكيم هذه الأمة. الأعلام ٤/ ٧٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٤٦، حلية الأولياء ٢/ ١٢٢، اللباب ١/ ٣٩٥، البداية و النهاية ٨/ ١٤٦.
[٣] ذكره ابن حجر الهيثمي في كتاب فتح المبين لشرح الاربعين ص ٢٠٦. و لم نجده في كتب الصحاح و الاسانيد.
[٤] المغني عن حمل الأسفار للعراقي ٤/ ٢٣٩. من سرّه أن يكون عند اللّه أغنى الناس: إتحاف السادة المتقين للتبريزي ٩/ ٣٨٨.
من سره أن يكون من أغنى الناس. تاريخ اصبهان لابي نعيم ٢/ ٣٦٣.
[٥] هو الفضيل بن عياض، شيخ الحرم المكي. و قد سبقت ترجمته.
[٦] سنن الترمذي ٣٥٠٢. مستدرك الحاكم ١/ ٥٢٨- ٢: ١٤٢. مشكاة المصابيح للتبريزي ٢٤٩٢. شرح السنة للبغوي ٥: ١٧٤.
[٧] هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللّه، ولد بالكوفة عام ٩٧ ه/ ٧١٦ م. و توفي بالبصرة عام ١٦١ ه/ ٧٧٨ م.
لقّب بأمير المؤمنين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين و التقوى له عدة كتب. الاعلام ٣/ ١٠٤، وفيات الاعيان ١/ ٢١٠، الجواهر المضية ١/ ٢٥٠، طبقات ابن سعد ٦/ ٢٥٧، حلية الأولياء ٦/ ٣٥٦.
[٨] جاء بلفظ: و لا تجعل الدنيا أكبر همّنا.
سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب رقم ٨٠ دون اسم، ج (٣٥٠٢) ، ٥/ ٥٢٨. أما «اللهم زهدنا في الدنيا» فهو دعاء لسفيان الثوري، ذكره ابن حجر الهيثمي في كتاب فتح المبين لشرح الاربعين، شرح الحديث ٣١، ص ٢٠٦.