كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٤٩ - حرف الجيم (ج)
ثم الجبر عند أهل الكلام يستعمل كثيرا بمعنى إسناد فعل العبد إلى اللّه سبحانه، و هو خلاف القدر. و هو إسناد فعل العبد إليه لا إلى اللّه تعالى. فالجبر إفراط في تفويض الأمر إلى اللّه تعالى بحيث يصير العبد بمنزلة الجماد لا إرادة له و لا اختيار. و القدر تفريط في ذلك بحيث يصير العبد خالقا لأفعاله بالاستقلال، و كلاهما باطلان عند أهل الحق و هم أهل السّنة و الجماعة. و الحق الوسط بين الإفراط و التفريط المسمّى بالكسب هكذا في شرح المواقف و التلويح. و في الصّراح الجبر بمعنى خلاف القدر على ما قال أبو عبيدة كلام مولد.
الجبروت:
[في الانكليزية]The all -mighty ،constraint
[في الفرنسية]La Toute -puissance ،contrainte
عند الصوفية عبارة عن الذات القديمة و هي صيغة المبالغة بمعنى الجبر. و الجبر إمّا بمعنى الإجبار من قولهم جبرته على الأمر جبرا أو أجبرته أكرهته عليه، أو بمعنى الاستعلاء من قولهم نخلة جبارة إذا فاتتها الأيدي. و الجبّار الملك تعالى كبرياؤه متفرّد بالجبروت لأنه يجري الأمور مجاري أحكامه، و يجبر الخلق على مقتضيات إلزامه، أو لأنّه يستعلي عن درك العقول كذا في شرح القصيدة الفارضية.
و الصفات القديمة تسمّى بالملكوت كما وقع في هذا الشرح أيضا، و يجئ في محله. و في مجمع السلوك الملكوت عندهم عبارة من [١] فوق العرش إلى تحت الثرى و ما بين ذلك من الأجسام و المعاني و الأعراض. و الجبروت ما عدا الملكوت كذا قال الديلمي [١]
و قال بعض الكبار و أمّا عالم الملكوت فالعبد له فيه اختيار ما دام في هذا العالم، فإذا دخل في عالم الملكوت صار مجبورا على أن يختار ما يختار الحق و أن يريد ما يريد، لا يمكنه مخالفته أصلا انتهى.
و في بعض حواشي شرح العقائد النسفية في الخطبة في اصطلاح المشايخ عالم الجبروت عالم الكروبيين [٣] و هو عالم المقربين من الملائكة و تحته عالم الأجساد و هو عالم الملك.
و المراد من الجبروت الجبارية و هي عبارة من قهر الغير على وفق إرادته. و الجبروت و العظمة بمعنى واحد لغة غير أنّ فيه معنى المبالغة لزيادة اللفظ. و في اصطلاح أهل الكلام عبارة عن الصفات كما أنّ اللاهوت عبارة عن الذات، فالإضافة في نعوت الجبروت على هذا الاصطلاح إضافة المسمّى إلى اسمه انتهى كلامه. و يقول في كشف اللغات: الجبروت هو مرتبة الوحدة باصطلاح السّالكين، التي هي الحقيقة المحمديّة، و لها علاقة بمرتبة الصّفات.
انتهى. و يقول في موضع آخر: و تدعى مرتبة الصّفات الجبروت، و مرتبة الأسماء الملكوت.
و في مرآة الأسرار يقول: اعلم بأنّ لأهل الفردانيّة مقام اللّاهوت، يعني تجلّي الذات. و لاهوت في الأصل تعني: لا هو إلّا هو. و حرف التاء زائد على قانون العربية، و من عادة هؤلاء القوم (الصوفية) إذا تكلّموا بكلام مخالط أن يضيفوا إليه شيئا أو يحذفوا منه شيئا، لكي لا يصل إلى فهم مقصودهم من ليسوا بأهل لذلك. إذن لا هي نفي، أي لا يكون تجلّي الصفات لهؤلاء
[١] هو أبو محمد روزبهان بن أبي نصر الشيرازي الديلمي الفسوي الكازروني، صدر الدين ولد عام ٥٢٢ ه/ ١١٢٨ م. و توفي عام ٦٠٦ ه/ ١٢٠٩ م. صوفي، له عدة كتب في التصوف و التفسير. الأعلام ٣/ ٣٥، كشف الظنون ١١٣١، بروكلمان، الملحق ١/ ٧٢٤، السلاجقة في التاريخ و الحضارة ٣٨١.
[٣] خصّ الفلاسفة اسم الكروبيين فيما لا يكون له علاقة مع الأجسام و لو بالتأثير، كالملائكة لأنهم العقول المجردة و النفوس الفلكية. شرح المقاصد ٢/ ٥٤، شرح العقائد النسفية ١/ ٦.