كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٤ - علم المنطق
علم المنطق:
و يسمّى علم الميزان إذ به توزن الحجج و البراهين. و كان أبو علي [١] يسمّيه خادم العلوم إذ ليس مقصودا بنفسه، بل هو وسيلة إلى العلوم، فهو كخادم لها. و أبو نصر [٢] يسمّيه رئيس العلوم لنفاذ حكمه فيها، فيكون رئيسا حاكما عليها. و إنّما سمّي بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ و على إدراك الكليّات و على النفس الناطقة. و لما كان هذا الفن يقوّي الأول و يسلك بالثاني مسلك السّداد، و يحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق له اسم منه و هو المنطق. و هو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات و شرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر. فالقانون يجيء بيانه في محله. و المعلومات تتناول الضرورية و النظرية. و المجهولات تتناول التصوّرية و التصديقية. و هذا أولى مما ذكره صاحب الكشف [٣]: تفيد معرفة طرق الانتقال من الضروريات إلى النظريات، لأنه يوهم بالانتقال الذاتي على ما يتبادر من العبارة، و المراد الأعمّ من أن يكون بالذات أو بالواسطة. و المراد بقولنا بحيث لا يعرض الغلط في الفكر عدم عروضه عند مراعاة القوانين كما لا يخفى، فإنّ المنطقي ربما يخطئ في الفكر بسبب الإهمال، هذا مفهوم التعريف.
و اما احترازاته فالعلم كالجنس، و باقي القيود كالفصل احتراز عن العلوم التي لا تفيد معرفة طرق الانتقال، كالنحو و الهندسة، فإن النحو إنما يبيّن قواعد كلية متعلقة بكيفية التلفّظ بلفظ العرب على وجه كلي، فإذا أريد أن يتلفظ بكلام عربي مخصوص على وجه صحيح احتيج إلى أحكام جزئية تستخرج من تلك القواعد كسائر الفروع من أصولها. فتقع هناك انتقالات فكرية من المعلوم إلى المجهول لا يفيد النحو معرفتها أصلا. و كذلك الهندسة يتوصل بمسائلها القانونية إلى مباحث الهيئة بأن تجعل تلك المسائل مبادئ الحجج التي تستدلّ [٤] بها على تلك المباحث، و أما الأفكار الجزئية الواقعة في تلك الحجج فليست الهندسة مفيدة لمعرفتها قطعا. قيل التعريف دوري لأن معرفة طرق الاكتساب جزء من المنطق، فيتوقف تحققه على معرفة طرق الاكتساب؛ فلو كانت معرفتها مستفادة من المنطق توقفت عليه فلزم الدور.
و أجيب بأنّ جزء المنطق هو العلم بالطرق الكلية و شرائطها، لا العلم بجزئياتها المتعلّقة بالمواد
[١] ابن سينا الشيخ الرئيس هو الحسين بن عبد اللّه بن سينا، أبو علي، شرف الملك، الفيلسوف الرئيس، ولد في ضواحي بخارى عام ٣٧٠ ه/ ٩٨٠ م و مات بهمذان عام ٤٢٨ ه/ ١٠٣٧ م. من دعاة الباطنية. فيلسوف إلهي، ناظر العلماء و اشتهر، و له العديد من المؤلفات المعروفة. الاعلام ٢/ ٢٤١، وفيات الأعيان ١/ ١٥٢، تاريخ حكماء الاسلام ٢٧- ٧٢، خزانة الأدب ٤/ ٤٦٦، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٢٠٣، لسان الميزان ٢/ ٢٩١، تاريخ آداب اللغة ٢/ ٣٣٦ و غيرها.
[٢] ابو نصر الفارابي هو محمد بن طرخان بن أوزلغ، أبو نصر الفارابي، ولد بفاراب عام ٢٦٠ ه/ ٨٧٤ م. و توفي بدمشق عام ٣٣٩ ه/ ٩٥٠ م أكبر فلاسفة المسلمين، و يعرف بالمعلم الثاني. تركي الأصل، مستعرب، أول من وضع آلة القانون. له العديد من المصنفات الهامة. الاعلام ٧/ ٢٠، وفيات الاعيان ٢/ ٧٦، طبقات الاطباء ٢/ ١٣٤، تاريخ حكماء الاسلام ٢٣٠، آداب اللغة ٢/ ٢١٣، البداية و النهاية ١١/ ٢٢٤، الوافي بالوفيات ١/ ١٠٦، مفتاح السعادة ١/ ٢٥٩، دائرة المعارف الاسلامية ١/ ٤٠٧ و غيرها.
[٣] الكشف الأرجح أنه جامع الدقائق في الكشف عن الحقائق لعلي بن عمر بن علي الكاتبي القزويني، (- ٦٧٥ ه/ ١٢٧٧ م). كشف الظنون ١/ ٥٤٠ و معجم المؤلفين ٧/ ١٥٩.
[٤] يستدل (م، ع).