كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٢ - فائدة
اعتبار الدوائر، و يسمّى ذلك هيئة غير مجسّمة. و من أراد تصوّر مبادئ تلك الحركات على الوجه المطابق لقواعد الحكمة فعليه تصوّر الكرّات على وجه تظهر حركات مراكز الكواكب و ما يجزي مجراها في مناطقها، و يسمّى ذلك هيئة مجسّمة؛ و إطلاق العلم على المجسّمة مجاز. و لهذا قال صاحب التذكرة: إنها ليست بعلم تام لأنّ العلم هو التصديق بالمسائل على وجه البرهان، فإذا لم يورد بالبرهان يكون حكاية للمسائل المثبتة بالبرهان في موضع آخر. هذا كله خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في حواشي شرح الملخص [١].
فائدة
المذكور في علم الهيئة ليس مبنيا على المقدمات الطبيعية و الإلهية و ما جرت به العادة من تصدير المصنفين كتبهم بها، إنما هو بطريق المتابعة للفلاسفة و ليس ذلك أمرا واجبا، بل يمكن إثباته من غير ملاحظة الابتناء عليها، فإنّ المذكور فيه بعضه مقدمات [٢] هندسية لا يتطرّق إليها شبهة، مثلا مشاهدة التشكّلات البدرية و الهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، و بعضه مقدمات يحكم بها العقل بحسب الأخذ لما هو الأليق و الأحرى كما يقولون إن محدّب الحامل يماس محدّب الممثل على نقطة مشتركة، و كذا مقعّره بمقعّره، و لا مستند لهم، غير أن الأولى أن لا يكون في الفلكيات فصل لا يحتاج إليه، و كذا الحال في أعداد الأفلاك من أنها تسعة، و بعضه مقدمات يذكرونها على سبيل التردّد دون الجزم، كما يقولون إنّ اختلاف حركة الشمس بالسرعة و البطوء إمّا بناء على أصل الخارج أو على أصل التدوير من غير جزم بأحدهما، فظهر أنّ ما قيل من أنّ إثبات مسائل هذا الفن مبني على أصول فاسدة مأخوذة من الفلاسفة من نفي القادر المختار و عدم تجويز الخرق و الالتئام على الأفلاك و غير ذلك ليس بشيء، و منشئوه عدم الاطلاع على مسائل هذا الفن و دلائله، و ذلك لأن مشاهدة التشكّلات البدرية و الهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأنّ نور القمر حاصل من نور الشمس، و أنّ الخسوف إنما هو بسبب حيلولة الأرض بين النيرين، و الكسوف إنما هو بسبب حيلولة القمر بين الشمس و البصر، مع القول بثبوت القادر المختار و نفي تلك الأصول المذكورة؛ فإن ثبوت [٣] القادر المختار و انتفاء تلك الأصول لا ينفيان أن يكون الحال ما ذكر. غاية الأمر أنهما يجوّزان الاحتمالات الأخر، مثلا على تقدير ثبوت القادر المختار يجوز أن يسوّد القادر بحسب إرادته و ينوّر وجه القمر على ما يشاهد من التشكّلات البدرية و الهلالية.
و أيضا يجوز على تقدير الاختلاف في حركات الفلكيات و سائر أحوالها أن يكون أحد نصفي كلّ من النيرين مضيئا و الآخر مظلما، و يتحرك النّيران على مركزيهما بحيث يصير وجهاهما المظلمان مواجهين لنا في حالتي الخسوف و الكسوف، إمّا بالعام إذا كانا تامين أو بالبعض إن كانا ناقصين.
و على هذا القياس حال التشكّلات البدرية و الهلالية، لكنّا نجزم مع قيام الاحتمالات المذكورة أنّ
[١] حاشية شرح الملخص لعبد العلي بن محمد بن حسين البرجندي (- ٩٣٢ ه/ ١٥٢٥ م) علق فيها على شرح الملخص لموسى بن محمد بن محمود المعروف بقاضيزاده (- ٨١٥ ه/ ١٤١٢ م). و الملخص كتاب في الهيئة لمحمود بن محمد الجغميني الخوارزمي فرغ من تأليفه سنة ٨٠٨ ه/ ١٤٠٥ م. طبع في لكنا و سنة ١٢٩٠ ه/ ١٨٧٣ م. كشف الظنون، ٢/ ١٨١٩- ١٨٢٠؛ معجم المطبوعات العربية، ١٤٨٩.
[٢] مقامات (ع).
[٣] ثبوت (- م).