كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٠٧ - فائدة
بينهما مؤثّر في ذلك الحكم. و المراد بالجزئي الجزئي الإضافي. و الأظهر أن يقال إثبات حكم لأمر لثبوته في آخر لعلّة مشتركة بينهما، و كلا التعريفين ليسا خاليين عن التسامح لأنهما تعريفان له بالأثر المترتّب عليه. و التحقيق أن يقال التمثيل هو المؤلّف من قضايا تشتمل على بيان مشاركة جزئي لجزئي في علّة حكم ليثبت ذلك في ذلك الجزئي. و يسمّيه الفقهاء قياسا، و الجزئي الأول فرعا و الثاني أصلا و المشترك علّة و جامعا، كما يقال العالم مؤلّف فهو حادث كالبيت. و اعلم أنّ القوم قسّموا التمثيل إلى تمثيل قطعي يفيد اليقين و إلى غير قطعي يفيد الظّنّ، و الظاهر من التمثيل في مقابلة القياس هو الثاني، إذ الأوّل يرجع إلى القياس قطعا فينبغي على هذا أن يذكر في تعريفه قيد يخرج الأول ككون المشاركة المذكورة ظنّية، هكذا يستفاد من شروح الشمسية و تكملة الحاشية الجلالية.
و عند أهل البيان يطلق على معان. الأول المجاز المركّب المسمّى بالمثل و التمثيل على سبيل الاستعارة أيضا و سيأتي في لفظ المجاز المركّب. الثاني التشبيه و يشهد بذلك كلام الكشّاف حيث يستعمله استعمال التشبيه. الثالث قسم من التشبيه و هو التشبيه الذي وجهه منتزع من متعدّد أمرين أو أمور كتشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، و التشبيه في قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ [١] الآية، على ما مرّ في لفظ التشبيه، هذا عند الجمهور. و عند الشيخ عبد القاهر [٢] هو التشبيه الذي وجهه عقلي منتزع من متعدّد.
و المراد بالعقلي ما لا يكون حسيّا على ما صرّح به المحقق الشريف فيتناول الحقيقي أي الموجود في الخارج و الاعتباري الذي يشتمل النسبيّات و الوهميات المحضة. و عند السّكاكي هو التشبيه الذي وجهه وصف غير حقيقي منتزع من متعدّد.
و المراد بالحقيقي ما ليس اعتباريا كما في تشبيه مثل يهود بمثل الحمار، فإنّ وجه الشبه و هو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكدّ و التعب في استصحابه، فهو وصف مركّب من متعدّد و ليس بحقيقي، بل هو عائد إلى التوهّم و هو المطابق لكلام المفتاح. فمن قال مراد السكاكي بالحقيقي ما يقابل الإضافي فلم ينظر في كلام المفتاح أدنى نظر. أمّا أنّ المراد غير الحقيقي في كلّ من الطرفين أو يكفي أن يكون كذلك في أحد الطّرفين فممّا لم يتّضح، لكنّ المتبادر الأول لأنّه الفرد الكامل فليحمل عليه ما لم يصرف صارف، هكذا ذكر صاحب الأطول.
فالتمثيل عند السّكاكي أخصّ مطلقا من التمثيل عند الشيخ هو أخصّ مطلقا من التمثيل عند الجمهور. فغير التمثيل عند الجمهور تشبيه لا يكون وجهه منتزعا من متعدّد، و عند الشيخ ما لم ينتزع وجهه من متعدّد أو كان وصفا غير عقلي. و عند السّكاكي ما لا يكون وجهه منتزعا من متعدّد أو كان وصفا حقيقيا.
اعلم أنّ المحقّق التفتازاني جعل أمثلة التمثيل جميع أمثلة ذكرت في باب التشبيه لوجه الشبه المركّب بأقسامها من مركّب الطرفين و مفردهما و مختلفهما، و خالفه السّيد السند بدعوى أنّ التمثيل مخصوص بما طرفاه مركّبان، و ادّعى أنّ تعريفه بما وجهه منتزع من متعدّد يتبادر منه المنتزع من متعدّد في طرفي التشبيه، لا المركّب من متعدّد هو أجزاؤه، و ألّا يقال مركّبا من متعدّد فخرج منه ما ليس طرفاه
[١] الجمعة/ ٥.
[٢] هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر. توفي عام ٤٧١ ه/ ١٠٧٨ م. واضع أصول علم البلاغة.
من أئمة اللغة الكبار، له شعر رقيق. و مؤلفاته العديدة هامة. الاعلام ٤/ ٤٨، فوات الوفيات ١/ ٢٩٧، مفتاح السعادة ١/ ١٤٣، بغية الوعاة ٣١٠، طبقات الشافعية ٣/ ٢٤٢، إنباه الرواة ٢/ ١٨٨.