كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٦ - فصل في بيان العلوم المحمودة و المذمومة
و أما الثاني فقد ذكره في منتخب الإحياء [١]: اعلم أنّ علم الطب في تصحيح الأبدان من فروض الكفاية، لكن في السراجية [٢]. يستحب أن يتعلم الرجل من الطبّ قدر ما يمتنع به عما يضرّ بدنه.
و كذا من فروض الكفاية علم الحساب في الوصايا و المواريث. و كذا الفلاحة و الحياكة و الحجامة و السياسة. أما التعمّق في الطبّ فليس بواجب و ان كان فيه زيادة قوة على قدر الكفاية.
فهذه العلوم كالفروع فإن الأصل هو العلم بكتاب اللّه تعالى و سنة رسوله صلى اللّه عليه و سلم، و إجماع الأمة و آثار الصحابة، و التعلّم بعلم اللغة التي هي آلة لتحصيل العلم بالشرعيات. و كذا العلم بالناسخ و المنسوخ و العامّ و الخاصّ، مما في علم الفقه، و علم القراءة و مخارج الحروف، و العلم بالأخبار و تفاصيلها، و الآثار و أسامي رجالها و رواتها، و معرفة المسند و المرسل و القوي و الضعيف منها، كلها من فروض الكفاية. و كذا معرفة الأحكام لقطع الخصومات و سياسة الولاة. و هذه العلوم إنما تتعلّق بالآخرة لأنها سبب استقامة الدنيا، و في استقامتها استقامتها، فكان هذا علم الدنيا بواسطة صلاح الدنيا، بخلاف علم الأصول من التوحيد و صفات الباري. و هكذا علم الفتوى من فروض الكفاية. أما العلم بالعبادات و الطاعات و معرفة الحلال و الحرام فإنه أصل فوق العلم بالغرامات و الحدود و الحيل.
و أما علم المعاملة فهو على المؤمن المتقي كالزهد و التقوى و الرّضاء و الشكر و الخوف و المنّة للّه في جميع أحواله، و الإحسان و حسن النظم و حسن الخلق و الإخلاص، فهذه علوم نافعة أيضا. و أما علم المكاشفة فلا يحصل بالتعليم و التعلّم، و إنّما يحصل بالمجاهدة التي جعلها اللّه تعالى مقدّمة للهداية، قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٣]. و أما علم الكلام فالسّلف لم يشتغلوا به حتى إنّ من اشتغل به نسب إلى البدعة و الاشتغال بما لا يغنيه [٤]، هذا كله خلاصة ما في التاتارخانية [٥].
و قال في خزانة الرواية في السراجية: تعلّم الكلام و المناظرة فيه قدر ما يحتاج إليه غير منهيّ [عنه] [٦]. قال شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي [٧] في أعلام الهدى [٨] بأنّ عدم الاشتغال بعلم
[١] منتخب الإحياء، الراجح أنه منتخب الاطباء لعبد الكريم اللّه، الفهرس التوضيحي لمخطوطات مكتبة حيدرآباد، الطب و علومه، ترتيب فضل اللّه فاروفي الندوي، كراتشي، ١٩٨١.
[٢] الفتاوى السراجية لسراج الدين الأوشي الحنفي، فرغ من تأليفها سنة ٥٦٩ ه/ ١١٧٣ م. كشف الظنون ٢/ ١٢٢٤.
[٣] العنكبوت/ ٦٩.
[٤] يعنيه (م، ع).
[٥] التاتارخانية في الفتاوى لعالم بن علاء الحنفي و تعرف بزاد المسافر و قد أشار بجمعه الخان الأعظم تاتارخان.
كشف الظنون ١/ ٢٦٨.
[٦] [عنه] (+ م).
[٧] السهروردي هو عمر بن محمد بن عبد اللّه بن عموية، أبو حفص، شهاب الدين القرشي التيمي البكري السهروردي.
ولد في سهرورد عام ٥٣٩ ه/ ١١٤٥ م و توفي ببغداد عام ٦٣٢ ه/ ١٢٣٤ م فقيه شافعي، مفسّر، واعظ من كبار الصوفية، لقب بشيخ الشيوخ ببغداد. له الكثير من التصانيف. الاعلام ٥/ ٦٢، وفيات الاعيان ١/ ٣٨٠، شذرات الذهب ٥/ ١٥٣، البداية و النهاية ١٣/ ١٣٨، طبقات الشافعية ٥/ ١٤٣، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٨٣، تذكرة الحفاظ ١٤٥٨، مفتاح السعادة ٢/ ٣٥٥، طبقات المفسرين ٢/ ١٠، معجم المؤلفين ٧/ ٣١٣، معجم المفسرين ١/ ٤٠٠.
[٨] اعلام الهدى و عقيدة أرباب التقى لشهاب الدين ابي حفص عمر بن محمد السهروردي (- ٦٣٢ ه). كشف الظنون ١/ ١٢٦،GAL ,I ، ٧٨٩.