كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٥ - فائدة
حرب [١] و طائفة من قدماء معتزلة البصرة إيجابها للمراد [٢] إذا كانت قصدا إلى الفعل، و هو أي القصد ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، لا عزما عليه، ليقدم العزم على الفعل، فلا يتصوّر إيجابه إياه؛ فهؤلاء أثبتوا إرادة متقدّمة على الفعل بأزمنة هي العزم و لم يجوّزوا كونها موجبة، و إرادة مقارنة له هي القصد و جوّزوا إيجابها إياه. و أمّا الأشاعرة فلم يجعلوا العزم من قبيل الإرادة، بل أمرا مغايرا لها.
اعلم أنّ العلماء اختلفوا في إرادته تعالى، فقال الحكماء: إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد، و بأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل، و بكيفية صدوره عنه تعالى حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النّظام، من غير قصد و شوق، و يسمون هذا العلم عناية. قال ابن سينا: العناية هي إحاطة علم الأول تعالى بالكلّ و بما يجب أن يكون عليه الكلّ حتى يكون على أحسن النظام، فعلم الأول بكيفية الصواب في ترتيب وجود الكلّ منبع لفيضان الخير و الجود في الكلّ من غير انبعاث قصد و طلب من الأول الحقّ. و قال أبو الحسين [٣] و جماعة من رؤساء المعتزلة كالنّظام و الجاحظ [٤] و العلّاف و أبي القاسم البلخي [٥] و و محمود الخوارزمي [٦]: إرادته تعالى علمه بنفع في الفعل، و ذلك كما يجده كلّ عاقل من نفسه إن ظنّه، أو اعتقاده لنفع في الفعل، يوجب الفعل؛ و يسميه أبو الحسين بالداعية، و لما استحال الظنّ و الاعتقاد في حقّه تعالى انحصرت داعيته في العلم بالنفع. و نقل عن أبي الحسين وحده أنّه قال: الإرادة في الشاهد زائدة على الدّاعي، و هو الميل التّابع للاعتقاد أو الظنّ.
و قال الحسين النّجّار [٧]: كونه تعالى مريدا أمر عدميّ، و هو عدم كونه مكرها و مغلوبا، و يقرب منه ما قيل: هي كون القادر غير مكره و لا ساه.
و قال الكعبي: هي في فعله العلم بما فيه من المصلحة، و في فعل غيره الأمر به.
و قال أصحابنا الأشاعرة و وافقهم جمهور معتزلة البصرة: إنها صفة مغايرة للعلم و القدرة، توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع بأحد
[١] جعفر بن حرب: هو جعفر بن حرب الهمداني. ولد ببغداد عام ١٧٧ ه/ ٧٩٣ م. و توفي فيها عام ٢٣٦ ه/ ٨٥٠ م. من أئمة المعتزلة. متكلم. الاعلام ٢/ ١٢٣، تاريخ بغداد ٧/ ١٦٢، مروج الذهب ٢/ ٢٩٨.
[٢] للمقصود (م، ع).
[٣] أبو الحسين البصري: هو محمد بن علي الطيب، أبو الحسين البصري. ولد في البصرة و توفي في بغداد عام ٤٣٦ ه/ ١٠٤٤ م. أحد أئمة المعتزلة. له تصانيف هامة، و كان مشهورا بالذكاء و الديانة. الاعلام ٦/ ٢٧٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٢، تاريخ بغداد ٣/ ١٠٠، لسان الميزان ٥/ ٢٩٨.
[٤] الجاحظ: هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، أبو عثمان الملقب بالجاحظ. ولد في البصرة عام ١٦٣ ه/ ٧٨٠ م.
و توفي فيها عام ٢٥٥ ه/ ٨٦٩ م. من كبار أئمة الأدب و البيان. عالم كلامي على مذهب الاعتزال، و زعيم الفرقة الجاحظية. أصيب بالفالج آخر حياته و مات تحت كتبه. له مؤلفات عديدة و هامة. الاعلام ٥/ ٧٤، إرشاد الأديب ٦/ ٥٦، وفيات الأعيان ١/ ٣٨٨، أمراء البيان ٣١١، آداب اللغة ٢/ ١٦٧، لسان الميزان ٤/ ٣٥٥، تاريخ بغداد ١٢/ ٢١٢، آمالي المرتضى ١/ ١٣٨، نزهة الألباء ٢٥٤.
[٥] أبو القاسم البلخي: هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني. و قد سبقت ترجمته تحت اسم الكعبي.
[٦] الخوارزمي: هو محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان، أبو محمد، مظهر الدين العباسي الخوارزمي. ولد بخوارزم عام ٤٩٢ ه/ ١٠٩٩ م. و فيها توفي عام ٥٦٨ ه/ ١١٧٣ م. فقيه شافعي، مؤرخ، عارف بالحديث. له عدة مؤلفات. الاعلام ٧/ ١٨١، طبقات الاسنوي ٢/ ٣٥٢.
[٧] الحسين النجار: هو الحسين بن محمد بن عبد اللّه النجار الرازي، أبو عبد اللّه. توفي حوالي العام ٢٢٠ ه/ ٨٣٥ م. من أئمة المعتزلة. رأس الفرقة النجارية. له مناظرات مع العلماء، و عدة كتب كلامية. الاعلام ٢/ ٢٥٣، اللباب ٣/ ٢١٥، الامتاع و المؤانسة ١/ ٥٨، خطط المقريزي ٢/ ٣٥٠.