كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٨٦ - التقسيم الأول
لفظ الجنّ عليها. و بهذا المعنى وقع في قوله وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ [١]
فائدة: قال أصحابنا الأشاعرة الجنّ يرون الإنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا و الإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق الإدراك في عيون الإنس. و قالت المعتزلة الوجه في أنّ الإنس لا يرون الجنّ أنّ الجنّ لرقة أجسامهم و لطافتها لا يرون، و لو زاد اللّه في أبصارنا قوة لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا، و لو أنه تعالى كثّف أجسامهم و بقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم أيضا. فعلى هذا كون الإنس مبصرا للجنّ موقوف عندهم إمّا على ازدياد كثافة أجسام الجنّ أو على ازدياد قوة إبصار الإنس.
فائدة جليلة: الإنسان قد يصير جنا في عالم البرزخ بالمسخ، و هذا تعذيب و غضب من اللّه تعالى على من شاء، كمن كان يمسخ في الأمم السابقة و القرون الماضية قردة و خنازير، إلّا أنّه قد رفع هذا العذاب عن هذه الأمة المرحومة في عالم الشهادة ببركة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، إلّا ما هو من علامات الساعة الكبرى. فقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن يكون في هذه الأمة مسخ و خسف و قذف عند القيامة، و ذلك أي مسخ الإنسان جنا في البرزخ يكون غالبا في الكفار و المؤمنين الظالمين المؤذين و الزانين و المغلمين سيما إذا ماتوا أو قتلوا على جنابة. و كذا المرتدين غير تائبين إذا ماتوا غير تائبين. و ليس كل من كان كذلك يكون ممسوخا بل من شاء اللّه تعالى مسخه و عذابه. و المسخ لا يكون في الصلحاء و الأولياء أصلا و إن ماتوا على جنابة. و يكون المسخ في القيامة كثيرا كما ورد أنّ كلب أصحاب الكهف يصير بلعما و البلعم يجعل كلبا و يدخل ذلك في الجنة و يلقى هذا في النار. و من هذا القبيل جعل رأس من رفع و وضع رأسه في الصلاة قبل الإمام رأس حمار. و منه مسخ آخذ الرّشوة و آكل الربا و واضع الأحاديث و أمثال ذلك كثير، كذا في شرح البرزخ [٢] لملا معين [٣]
فائدة: اختلفوا: هل من الجنّ رسول أم لا فقال ضحّاك [٤] إنّ من الجنّ رسلا كالإنس بدليل قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [٥] و قوله تعالى وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [٦] الآية. قال المفسرون فيه استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فاقتضى حكمة اللّه تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس لتكميل الاستئناس، فهذا السبب حامل في الجنّ فيكون رسول الجنّ من الجنّ.
و الأكثرون قالوا ما كان من الجنّ رسول البتة و إنّما كان الرسول من بني آدم، و احتجوا بالإجماع هو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف. و استدلّوا أيضا بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً [٧] الآية، فإنّهم
[١] الأنعام/ ١٠٠.
[٢] لم يرد بعد التفتيش الطويل سوى برزخ أبي سفيان، و ورد شرح البرزخ أي شرحه كاسم لكتاب في سلسلة فهارس المكتبات الخطية النادرة، فهرس المخطوطات العربية بمكتبة بوهار، الهند، كلكتا، تصنيف هدايت حسين، ١٩٢٣، ج ٢، ص ٤٢- ٤٣. لذا ذكرنا ذلك للعلم.
[٣] لم نعثر على ترجمة لملا معين.
[٤] هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، أبو القاسم. توفي بخراسان عام ١٠٥ ه/ ٧٢٣ م. مفسّر، كان يؤدب الأطفال.
له كتاب في التفسير. الأعلام ٣/ ٢١٥، ميزان الاعتدال ١/ ٤٧١، العبر للذهبي ١/ ١٢٤، تاريخ الخميس ٢/ ٣١٨، المجرّة ٤٧.
[٥] فاطر/ ٢٤.
[٦] الأنعام/ ٩.
[٧] آل عمران/ ٣٣.