كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٩ - خاتمة
المعاني الثلاثة، و إذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدلّ على تغايرهما كما في قوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [١] الآية، و كما في بعض الأحاديث، فهو باعتبار أصل مفهوميهما، فإنّ الإيمان عبارة عن تصديق قلبي، و الإسلام عبارة عن طاعة و انقياد ظاهر كما صرّح بذلك في شروح صحيح البخاري.
فصحّ ما قاله ابن عباس و غيره في تفسير هذه الآية أنهم لم يكونوا منافقين بل كان إيمانهم ضعيفا، و يدل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ [٢] الآية، الدالّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، و حينئذ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه. و مما يصرح به قوله عليه الصلاة و السلام: «لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن» [٣] و فيه قولان لأهل السنة، أحدهما هذا، و الثاني لا ينفى عنه اسم الإيمان من أصله و لا يطلق عليه مؤمن لإيهامه كمال إيمانه، بل يقيّد فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، و هذا بخلاف اسم الإسلام فإنه لا ينتفي بانتفاء ركن من أركانه و لا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين. و كأنّ الفرق أنّ نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفي الإيمان. و حيث ورد ما يدلّ على اتحادهما كقوله تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٤] فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما. و من هاهنا قال كثيرون إنهما على وزان الفقير و المسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر و دلّ بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، و إن قرن بينهما تغايرا كما في خبر أحمد «الإسلام علانية و الإيمان في القلب» [٥]، و حيث فسّر الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لما تقرر أنه تصديق بأمور مخصوصة، و منه: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [٦]، و اتفقوا على أنّ المراد [٧] به هنا الصلاة و منه حديث وفد عبد القيس: «هل تدرون ما الإيمان شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و أن تؤدوا خمسا من المغنم» [٨] ففسّر فيه الإيمان بما فسر في حديث جبرائيل الإسلام، فاستفيد منهما إطلاق الإيمان و الإسلام على الأعمال شرعا باعتبار أنها متعلقة مفهوميهما المتلازمين و هما التصديق و الانقياد، فتأمّل ذلك حق التأمّل لتندفع به عنك الشكوك الواردة هاهنا. و ممّا أطلق فيه الإيمان على
[١] الحجرات/ ١٤.
[٢] الحجرات/ ١٤.
[٣] أخرجه البخاري في الصحيح، ٨/ ٢٩٣، عن أبي هريرة، كتاب المحاربين من أهل الكفر و الردة، باب إثم الزناة، حديث رقم ٩/ ٦٨١٠، بلفظ قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لا يزني حين يزني و هو مؤمن، و لا يسرق حين يسرق و هو مؤمن، و لا يشرب حين يشرب و هو مؤمن، و التوبة معروضة.
[٤] الذاريات/ ٣٥- ٣٦.
[٥] أخرجه أحمد في مسنده، ٣/ ١٣٤، عن أنس، و تمامه: «و الإيمان في القلب، قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، قال: ثم يقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا»، و أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٥٢، باب الإسلام و الإيمان، عن أنس، و قال عقبه: رواه أحمد و أبو يعلي بتمامه، و البزار باختصار، و رجاله رجال الصحيح.
[٦] البقرة/ ١٤٣.
[٧] المقصود (م، ع).
[٨] حديث وفد عبد القيس حديث طويل ورد بصيغ متعددة و روايات كثيرة، و قد أخرجه الشيخان و من استخرج عليهما و النسائي و ابن خزيمة و ابن حبان من طريق رواية أبي جمرة. بينما يذكره أحمد بن حنبل في مسنده من طريق رواية أبان العطار عن قتادة. ذكر كل هذه الروايات و علّق عليها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري، في كتاب الإيمان ١/ ١٢٩- ١٣٥.