كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٢٢ - فائدة
الذي علم صدق القائلين فيه بالقرائن الزائدة كموافقة دليل عقلي أو غير ذلك.
اعلم أنّهم اختلفوا في إفادته العلم اليقيني فذهب السّمنية [١] و البراهمة إلى أنّ الخبر لا يكون حجة أصلا و لا يقع به العلم، لا علم اليقين و لا علم طمأنينة، بل يوجب ظنا. و ذهب قوم منهم النظّام من المعتزلة و أبو عبد اللّه الثلجي [٢] من الفقهاء إلى أنه يوجب علم طمأنينة، فإنّ جانب الصدق يترجّح فيه بحيث يطمئن إليه القلوب فوق ما يطمئن بالظنّ، و لكن لا ينتفي عنه توهم الكذب و الغلط. و اتفق جمهور العقلاء على أنه يوجب علم اليقين و اختلفوا في أنه يوجب علم اليقين علما ضروريا أو نظريا، فذهب عامتهم إلى أنه يوجب علما ضروريا و ذهب أبو القاسم الكعبي و أبو الحسين البصري من المعتزلة و أبو بكر الدقاق من أصحاب الشافعي إلى أنه يوجب علما استدلاليا.
فائدة:
ذكر للتواتر شروط صحيحة و فاسدة.
فالصحيحة ثلاثة كلّها في المخبرين. الأول تعددهم تعددا يبلغ في الكثرة إلى أن يمنع اتفاقهم و تواطئهم على الكذب عادة. فما اشترطه البعض من تعيين العدد فاسد. فقيل خمسة لا ما دونها. و قيل اثنا عشر. و قيل عشرون. و قيل أربعون. و قيل خمسون. و قيل سبعون. و في شرح النخبة و قيل أربع و قيل سبعة و قيل عشرة. و في خلاصة الخلاصة أقل عدد يورث العلم غير معلوم على الأصح، لكنّا نستدل بحصول العلم الضروري على كماله. ثم قال: أقول و ظني أنّه يختلف بحسب المخبر و المخبر له، بل المخبر عنه، و لا يشترط فيه الكثرة إذ يجوز أن يحصل من خبر واحد علم يقيني كما في إخبار النبي عليه الصلاة و السلام عن اللّه تعالى كالقرآن، بل إخبار شيخ عما رواه أو يراه لمريده ما لا يحصل من خبر عشرة آلاف، كما إذا أخبروا عن اللّه تعالى من غير وساطة نبي بالوحي أو ولي بالإلهام. و لذا عرّفه المحققون بما روي عمّن يمتنع في العادة كذبه سواء كان واحدا أو أكثر، و يؤيد ذلك ما روي في الأصل عن البزدوي [٣] أنه جعل كالمتواتر ما كان مرويّا عن آحاد الصحابة ثم انتشر، فنقله قوم لا يتصور اتفاقهم على الكذب. و قال هو حجة من حجج اللّه تعالى، حتى قال الجصّاص [٤] إنه أحد قسمي المتواتر، و يمتاز عنه بأنه يوجب علم يقين، و هذا علم طمأنينة.
و لا يخفى أنه يمكن أن يحصل منه اليقين أيضا و اللّه أعلم انتهى. الثاني كونهم مستندين لذلك الخبر إلى الحسّ فإن خبر جماعة كثيرة في مثل حدوث العالم لا يفيد قطعا. الثالث استواء الطرفين و الوسط أعني بلوغ جميع طبقات المخبرين في الأول و الآخر و الوسط بالغا ما بلغ
[١] السّمنية: هم قوم كانوا قبل الإسلام، ينفون النظر و الاستدلال و يقولون بقدم العالم. الأسفرايني في التبصير ١٤٩.
[٢] هو محمد بن شجاع ابن الثلجي البغدادي، أبو عبد اللّه. ولد عام ١٨١ ه/ ٧٩٧ م. و توفي عام ٢٦٦ ه/ ٨٨٠ م. فقيه العراق في وقته. من أصحاب أبي حنيفة كان يميل إلى الاعتزال. له عدة كتب هامة. الاعلام ٦/ ١٥٧، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٨٤، التهذيب ٩/ ٢٢٠، الجواهر المضية ٢/ ٦٠، ميزان الاعتدال ٣/ ٧١، تاريخ بغداد ٥/ ٣٥٠، الوافي بالوفيات ٣/ ١٤٨.
[٣] هو علي بن محمد الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن، فخر الاسلام البزدوي. ولد عام ٤٠٠ ه/ ١٠١٠ م. و توفي عام ٤٨٢ ه/ ١٠٨٩ م. فقيه أصولي. من أكابر الحنفية في عصره. له تصانيف كثيرة و هامة. الاعلام ٤/ ٣٢٨، الفوائد البهية ١٢٤، مفتاح السعادة ٢/ ٥٤، الجواهر المضية ١/ ٣٧٢.
[٤] هو أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الجصاص. ولد بالريّ عام ٣٠٥ ه/ ٩١٧ م. و توفي ببغداد عام ٣٧٠ ه/ ٩٨٠ م. فقيه الحنفية في عصره. امتنع عن ولاية القضاء له عدة مؤلفات هامة. الاعلام ١/ ١٧١، الجواهر المضية ١/ ٨٤.