كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٨١ - فائدة
لانتفاء قديمين، فلا قديم إلّا اللّه وحده، و يلحق بذاته جميع أسمائه و صفاته لاستحالة الانفكاك، و ما سوى ذلك فمخلوق. فالإنسان مثلا له جسد و هو صورته و روح هو معناه و سرّ هو الروح و وجه و هو المعبّر عنه بروح القدس و بالسرّ الالهي و الوجود الساري. فإذا كان الأغلب على الانسان الأمور التي تقتضيها صورته و هي المعبّر عنه بالبشرية و بالشهوانية فإنّ روحه يكتسب الرسوب المعدني الذي هو أصل الصورة و منشأ محلها، حتى كاد تخالف عالمها الأصلي لتمكّن المقتضيات البشرية فيها، فتقيّدت بالصورة عن إطلاقها الروحي، فصارت في سجن الطبيعة و العادة و ذلك في دار الدنيا، مثال السجين في دار الآخرة بل عين السجين هو ما استقر فيه الروح، لكن السجين في الآخرة سجن محسوس من النار و هي في الدنيا هذا المعنى المذكور لأنّ الآخرة محل تبرز فيه المعاني صورا محسوسة، و بعكسه الإنسان إذا كان الأغلب عليه الأمور الروحانية من دوام الفكر الصحيح و إقلال الطعام و المنام و الكلام و ترك الأمور التي تقتضيها البشرية، فإنّ هيكله يكتسب اللّطف الروحي فيخطو على الماء و يطير في الهواء و لا يحجبه الجدران و بعد البلدان، فتصير في أعلى مراتب المخلوقات و ذلك هو عالم الأرواح المطلقة عن القيود الحاصلة بسبب مجاورة الأجسام، و هو المشار إليه بقوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [١]
فائدة:
اختلفوا في المراد [٢] من الروح المذكور في قوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [٣] على أقوال. فقيل المراد به ما هو سبب الحياة.
و قيل القرآن يدلّ عليه قوله وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [٤] و أيضا فبالقرآن تحصيل حياة الأرواح و هي معرفة اللّه تعالى. و قيل جبرئيل لقوله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ [٥]. و قيل ملك من ملكوت السموات هو أعظمهم قدرا و قوة و هو المراد [٦] من قوله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا [٧]
و نقل عن علي رضي اللّه عنه أنه قال هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبّح اللّه تعالى بتلك اللغات كلّها، و يخلق اللّه تعالى بكل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيمة. و لم يخلق اللّه تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش. و لو شاء أن يبلع السموات السبع و الأرض السبع و من فيهن بلقمة واحدة.
و لقائل أن يقول هذا ضعيف لأنّ هذا التفصيل ما عرفه علي رضي اللّه عنه إلّا من الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم فلما ذكر النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ذلك الشرح لعلي رضي اللّه عنه، فلم لم يذكره لغيره. و لأنّ ذلك الملك إن كان حيوانا واحدا و عاقلا واحدا لم يمكن تكثير تلك اللغات. و إن كان المتكلم بكل واحدة من تلك اللغات حيوانا آخر لم يكن ذلك ملكا واحدا بل كان مجموع ملائكة. و لأنّ هذا شيء مجهول الوجود فكيف يسأل عنه كذا في التفسير الكبير. و قيل الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم يأكلون و لهم أيد و أرجل و رءوس.
[١] الانفطار/ ١٣.
[٢] المقصود (م، ع).
[٣] الاسراء/ ٨٥.
[٤] الشورى/ ٥٢.
[٥] الشعراء/ ١٩٣- ١٩٤.
[٦] المقصود (م، ع).
[٧] النبأ/ ٣٨.