كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٢١ - حرف (الشين) (ش)
أنحاء. الشّرك في الألوهية، و الشّرك في وجوب الوجود، و الشرك في التدبير، و الشّرك في العبادة. و ليس أحد أثبت للّه تعالى شريكا يساويه في الألوهية و الوجوب و القدرة و الحكمة إلّا الثنوية، فإنّهم يثبتون إلهين أحدهما حكيم يفعل الخير و الثاني سفيه يفعل الشّرّ، و يسمّون الأول باسم يزدان و الثاني باسم أهرمن و هو الشيطان بزعمهم. و أمّا الشّريك في العبادة و التدبير ففي الذاهبين إليه كثرة. فمنهم عبدة الكواكب و هم فريقان، منهم من يقول إنّه سبحانه خلق هذه الكواكب و فوّض تدبير العالم السّفلي إليها، فهذه الكواكب هي المدبّرات لهذا العالم، قالوا فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب تعبّدا للّه و نطيعه، و هؤلاء هم الفلاسفة. و منهم قوم غلاة ينكرون الصانع و يقولون هذه الأفلاك و الكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها و يمتنع عليها العدم فهي المدبّرة لأحوال العالم السّفلي و هؤلاء هم الدّهرية الخالصة. و ممّن يعبد غير اللّه النصارى الذين يعبدون المسيح و منهم أيضا عبدة الأوثان.
و لا بدّ من بيان سبب عبادة الأوثان، إذ عبادة الأحجار من جمّ غفير عقلاء ظاهر البطلان، و قد ذكروا لها وجوها. الوجه الأوّل أنّ الناس لمّا رأوا تغيّرات هذا العالم منوطة و مربوطة بتغييرات أحوال الكواكب فإنّ بحسب قرب الشمس و بعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة التي بسببها تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم. ثم إنّ الناس رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا انبساط السعادات و النحوسات بكيفيّة وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة. فلما اعتقدوا ذلك غلبت على ظنونهم أنّ مبدأ الحوادث هو الاتصالات الكوكبية، فبالغوا في تعظيمها.
فمنهم من اعتقادها واجبة الوجود لذواتها و هي خلقت هذا العالم. و منهم من اعتقد حدوثها و كونها مخلوقة للإله الأكبر إلّا أنها هي المدبّرة لأحوال هذا العالم؛ و هؤلاء هم الذي أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر و بين أحوال هذا العالم. ثم إنّهم لمّا رأوا أنّ هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكلّ كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه كاتخاذهم صنم الشمس من الذهب و الياقوت و الألماس، ثم اشتغلوا بعبادة تلك الأصنام.
و غرضهم منها عبادة تلك الكواكب و التقرّب إليها. و أمّا الأنبياء فلهم مقامان: أحدهما إقامة الدليل على أنّ هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم لما قال اللّه تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [١] بعد أن بيّن أنها مسخّرات.
و ثانيهما أنّ بتقدير تأثيرها دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة. و الاشتغال بعبادة الخالق أولى من الاشتغال بعبادة المخلوق. في الكشاف في تفسير قوله تعالى:
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٢]. النّد المماثل في الذات المخالف في الصفات. فإن قلت كانوا يسمّون أصنامهم باسمه و يعظمونها بما يعظّم به من القرب، و ما كانوا يزعمون أنّها تخالف اللّه و تناديه؟ قلت: لمّا تقرّبوا إليها و عظّموها و سمّوها آلهة اشتبهت [٣] حالهم حال من يعتقد أنّها آلهة مثله قادرة على مخالفته و مضادّته، فقيل لهم ذلك على سبيل التّهكم.
الوجه الثاني ما ذكره أبو معشر [٤] و هو أنّ كثيرا
[١] الأعراف/ ٥٤.
[٢] البقرة/ ٢٢.
[٣] اشبهت (م).
[٤] هو جعفر بن محمد بن عمر البلخي، أبو معشر. مات بواسط عام ٢٧٢ ه/ ٨٨٦ م. عالم فلكي مشهور. له تصانيف كثيرة و مشهورة. الأعلام ٢/ ١٢٧، الفهرست ١/ ٢٧٧، القفطى ١٠٦، وفيات الأعيان ١/ ١١٢، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٤٠٤.