كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٤ - فائدة
اتفاق خاص، و هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم في عصر على حكم شرعي. و المراد بالاتفاق الاشتراك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأفعال أو السكوت و التقرير. و يدخل فيه ما إذا أطبق البعض على الاعتقاد و البعض على غيره مما ذكر بحيث يدلّ على ذلك الاعتقاد. و احترز بلفظ المجتهدين بلام الاستغراق عن اتفاق بعضهم و عن اتفاق غيرهم من العوام و المقلّدين، فإنّ موافقتهم و مخالفتهم لا يعبأ بها. و قيد من أمة محمد للاحتراز عن اتفاق مجتهدي الشرائع السالفة.
و معنى قولهم في عصر في زمان ما قلّ أو كثر، و فائدته الإشارة إلى عدم اشتراط انقراض عصر المجمعين. و منهم من قال يشترط في الإجماع و انعقاده حجة انقراض عصر المجمعين، فلا يكفي عنده الاتفاق في عصر بل يجب استمراره ما بقي من المجمعين أحد، فلا بدّ عنده من زيادة قيد في الحدّ، و هو إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم، و الإشارة إلى دفع توهم اشتراط اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيمة. و قيد شرعي للاحتراز عن غير شرعي إذ لا فائدة للإجماع في الأمور الدنيوية و الدينية الغير الشرعية، هكذا ذكر صدر الشريعة. و فيه نظر لأنّ العقلي قد يكون ظنيّا، فبالإجماع يصير قطعيا، كما في تفضيل الصحابة و كثير من الاعتقاديات. و أيضا الحسّي الاستقبالي قد يكون ممّا لم يصرّح المخبر الصادق به بل استنبطه المجتهدون من نصوصه فيفيد الإجماع قطعيته. و أطلق ابن الحاجب و غيره الأمر ليعمّ الأمر الشرعي و غيره حتى يجب اتّباع إجماع آراء المجتهدين في أمر الحروب و غيرها. و يردّ عليه أنّ تارك الإتباع إن أثم فهو أمر شرعي و إلّا فلا معنى للوجوب.
اعلم أنهم اختلفوا في أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حيّ أو ميّت أم لا. فقيل لا يجوز بل يمتنع مثل هذا الإجماع فإنّ العادة تقتضي بامتناع الاتفاق على ما استقرّ فيه الخلاف. و قيل يجوز. و القائلون بالجواز اختلفوا، فقال بعضهم يجوز و ينعقد، و قال بعضهم يجوز و لا ينعقد أي لا يكون إجماعا هو حجة شرعية قطعية. فمن قال لا يجوز أو يجوز و ينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه.
أمّا على القول الأول فلعدم دخوله في الجنس.
و أمّا على الثاني فلكونه من أفراد المحدود.
و أمّا من يقول يجوز و لا ينعقد فلا بدّ عنده من قيد يخرجه بأن يزيد في الحدّ لم يسبقه خلاف مستقر من مجتهد.
ثم اعلم أنّ هذا التعريف إنّما يصحّ على قول من لم يعتبر في الإجماع موافقة العوام و مخالفتهم كما عرفت. فأما من اعتبر موافقتهم فيما لا يحتاج فيه إلى الرأي و شرط فيه اجتماع الكلّ، فالحدّ الصحيح عنده أن يقال هو الاتفاق في عصر على أمر من الأمور من جميع من هو أهله من هذه الأمة. فقوله من هو أهله يشتمل المجتهدين فيما يحتاج فيه إلى الرأي دون غيرهم، و يشتمل الكلّ فيما لا يحتاج فيه إلى الرأي فيصير جامعا مانعا. و قال الغزالي الإجماع هو اتفاق أمة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم على أمر ديني. قيل و ليس بسديد، فإنّ أهل العصر ليسوا كلّ الأمة و ليس فيه ذكر أهل الحلّ و العقد أي المجتهدين، و لخروج القضيّة العقلية و العرفية المتّفق عليهما. و أجيب عن الكلّ بالعناية، فالمراد بالأمة الموجودون في عصر فإنه المتبادر، و الاتفاق قرينة عليه، فإنه لا يمكن إلّا بين الموجودين. و أيضا المراد المجتهدون لأنهم الأصول و العوام أتباعهم فلا رأي للعوام. ثم الأمر الديني يتناول الأمر العقلي و العرفي لأنّ المعتبر منهما ليس بخارج عن البيّن، فإن تعلّق به عمل أو اعتقاد فهو أمر ديني و إلّا فلا يتصوّر حجّيته فيه إذ المراد