كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٥ - فائدة
بالإجماع المحدود الإجماع الشرعي دون العقلي و العرفي بقرينة أنّ الإجماع حجّة شرعية، فما دلّ عليه فهو شرعي، هذا كله خلاصة ما في العضدي و حاشيته للمحقق التفتازاني و التلويح.
اعلم أنّه إذا اختلف الصحابة في قولين يكون إجماعا على نفي قول ثالث عند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى. و قال بعض المتأخرين أي الآمدي المختار هو التفصيل، و هو أن القول الثالث إن كان يستلزم إبطال ما أجمعوا عليه فهو ممتنع، و إلّا فلا إذ ليس فيه خرق الإجماع، حيث وافق كلّ واحد من القولين من وجه، و إن خالفه من وجه. فمثال الأوّل أنهم اختلفوا في عدّة حامل توفّي عنها زوجها، فعند البعض تعتدّ بأبعد الأجلين و عند البعض بوضع الحمل. فعدم الاكتفاء بالأشهر قبل وضع الحمل مجمع عليه.
فالقول بالاكتفاء بالأشهر قبل الوضع قول ثالث لم يقل به أحد لأنّ الواجب إمّا أبعد الأجلين أو وضع الحمل، و مثل هذا يسمّى إجماعا مركّبا. و مثال الثاني أنهم اختلفوا في فسخ النّكاح بالعيوب الخمسة و هي الجذام و البرص و الجنون في أحد الزوجين و الجبّ و العنّة في الزوج و الرّتق و القرن في الزوجة. فعند البعض لا فسخ في شيء منها و عند البعض حقّ الفسخ ثابت في الكلّ. فالفسخ في البعض دون البعض قول ثالث لم يقل به أحد و يعبّر عن هذا بعدم القائل بالفصل و إجماع المركّب أيضا.
و بالجملة فالإجماع المركّب أعمّ مطلقا من عدم القائل بالفصل لأنه يشتمل على ما إذا كان أحدهما أي أحد القائلين قائلا بالثّبوت في إحدى الصّورتين فقط و الآخر بالثّبوت فيهما أو بالعدم فيهما، و على ما إذا كان أحدهما قائلا بالثبوت في الصّورتين و الآخر بالعدم في الصّورتين و عدم القائل بالفصل هذه الصورة الأخيرة. و إن شئت زيادة التحقيق فارجع إلى التوضيح و التلويح. و قال الجلبي في حاشية التلويح: و قيل الإجماع المركّب الاتفاق في الحكم مع الاختلاف في العلّة، و عدم القول بالفصل هو الإجماع المركّب الذي يكون القول الثالث فيه موافقا لكلّ من القولين من وجه كما في فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، فكأنهم عنوا بالفصل التفصيل، انتهى. و في معدن الغرائب [١] الإجماع على قسمين مركّب و غير مركّب.
فالمركّب إجماع اجتمع عليه الآراء على حكم حادثة مع وجود الاختلاف في العلّة، و غير المركّب هو ما اجتمع عليه الآراء من غير إختلاف في العلّة. مثال الأول أي المركّب من علّتين الإجماع على وجود الانتقاض عند القيء و مسّ المرأة. أما عندنا معاشر الحنفية فبناء على أنّ العلّة هي القيء. و أمّا عند الشافعي فبناء على أنّها المسّ. ثم هذا النوع من الإجماع لا يبقى حجة بعد ظهور الفساد في أحد المأخذين أي العلّتين، حتى لو ثبت أن القيء غير ناقض فأبو حنيفة لا يقول بالانتقاض. و لو ثبت أنّ المسّ غير ناقض فالشافعي لا يقول بالانتقاض لفساد العلّة المبني عليها الحكم. ثم الفساد متوهّم في الطرفين لجواز أن يكون أبو حنيفة مصيبا في مسألة المسّ مخطئا في مسألة القيء و الشافعي مصيبا في مسألة القيء مخطئا في مسألة المسّ، فلا يؤدّي هذا الإجماع إلى وجود الإجماع على الباطل. و بالجملة فارتفاع هذا الإجماع جائز بخلاف الإجماع الغير المركّب.
ثم قال: و من الإجماع قسم آخر يسمّى عدم [٢] القائل بالفصل و هو أن تكون المسألتان
[١] معدن الغرائب، شرح كنز الدقائق في فروع الحنفية، لمؤلف مجهول. أما الكنز فلأبي البركات عبد اللّه بن أحمد المعروف بالنسفي (- ٧١٠ ه/ ١٣١٠ م).
[٢] عدم (- م).