كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٥٩ - التقسيم
الجرأة و تلك القوة، لكن لا في تلك الجثة و الهيكل المخصوص، و لفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال في غير ما وضع له، كذا في المطول.
و قال صاحب الأطول: و يمكن أن يقال: إذا قلت: رأيت أسدا و حكمت برؤية رجل شجاع يمكن فيه طريقان: أحدهما أن يجعل الأسد مستعارا لمفهوم الرجل الشجاع، و الثاني أن يستعمل فيما وضع له الأسد و يجعل مفهوم الأسد آلة لملاحظة الرجل الشجاع، و يعتبر تجوّزا عقليا في التركيب التقييدي الحاصل من جعل مفهوم الأسد عنوانا للرجل الشجاع، فيكون التركيب بين الرجل الشجاع و مفهوم الأسد مبنيا على التجوّز العقلي، فلا يكون هناك مجاز لغوي. ألا ترى أنه لا تجوّز لغة في قولنا: لي نهار صائم فقد حقّ القول بأنه مجاز عقلي و لكن أكثر الناس لا يعلمون.
فائدة:
الاستعارة تفارق الكذب بوجهين: بالبناء على التأويل، و بنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر.
التقسيم
للاستعارة تقسيمات باعتبارات: الأول باعتبار الطرفين أي المستعار منه و المستعار له إلى وفاقية و عنادية، لأن اجتماع الطرفين في شيء إمّا ممكن و تسمّى وفاقية لما بين الطرفين من الموافقة نحو أحييناه في قوله تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [١] أي ضالّا فهديناه، استعار الإحياء من معناه الحقيقي و هو جعل الشيء حيّا للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب؛ و الإحياء و الهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء. و إمّا ممتنع و تسمّى عنادية لتعاند الطرفين كاستعارة الميّت في الآية للضالّ إذ لا يجتمع الموت مع الضلال. و منها أي من العنادية التهكّمية و التمليحية، و هما الاستعارة التي استعملت في ضدّ معناها الحقيقي أو نقيضه تنزيلا للتضادّ و التناقض منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكّم نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [٢] أي أنذرهم، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر به للإنذار الذي هو ضدّها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكّم، و كذا قولك: رأيت أسدا و أنت تريد جبانا على سبيل التمليح و الظرافة. و الاستهزاء الثاني باعتبار الجامع إلى قسمين لأن الجامع إمّا غير داخل في مفهوم الطرفين كما في استعارة الأسد للرجل الشجاع، فإن الشجاعة خارجة عن مفهوم الطرفين، و إمّا داخل في مفهوم الطرفين نحو قوله عليه السلام:
«خير الناس رجل يمسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة طار إليها، أو رجل في شعفة في غنيمة له يعبد اللّه حتى يأتيه الموت» [٣]. الهيعة الصوت المهيب، و الشّعفة رأس الجبل. و المعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه و استعدّ للجهاد، أو رجل اعتزل الناس و سكن في رأس جبل في غنم له قليل يرعاها و يكتفي بها في أمر معاشه و يعبد اللّه حتى يأتيه الموت. استعار الطّيران للعدو و الجامع و هو قطع المسافة بسرعة داخل في مفهومهما. و أيضا باعتبار الجامع إمّا عامّية و هي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو: رأيت
[١] الانعام/ ١٢٢.
[٢] آل عمران/ ٢١.
[٣] أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٣٩٦، عن أبي هريرة بلفظ: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ألا أخبركم بخير البرية، قالوا بلى يا رسول اللّه، قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه عز و جلّ، كلّما كان هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بالذي يليه، قالوا بلى: رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة و يؤتى الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية، قالوا بلى، قال: الذي يسأل باللّه و لا يعطي به.