كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٦ - علم البيان
بادئ الرأي. و قد نبّه بتقييد اللفظ بالعربي و إطلاقه في قوله: يطابق اللفظ، على أنّ تخصيص البحث باللفظ العربي مجرّد اصطلاح، و إلّا فيطابق بها مطلق اللفظ لمقتضى الحال، و بها يرتفع شأن كلّ مقال؛ و لهذا لم يضمر فاعل المطابقة، فاتجه أنّ الأحوال الشاملة بغير اللفظ العربي، كيف تكون من الأحوال التي تبحث في العلم، و لا تبحث فيه إلّا عن الأعراض الذاتية، و لا يندفع إلّا بما ذكره المحقق التفتازاني في بعض تصانيفه من أنّ اشتراط البحث عن الأعراض الذاتية إنّما هو عند الفلسفي. و أما أرباب تدوين العربية فربّما لا يتم في علومهم هذا إلّا بمزيد تكلّف، كذا في الأطول؛ و لا يخفى أنّ هذا الإيراد إنما هو على مذهب المتقدّمين الذاهبين إلى أنّ اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة، و أمّا على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنه من الاعراض الذاتية فلا إيراد.
و قد عرّف صاحب المفتاح [١] [علم] [٢] المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة و ما يتّصل بها من الاستحسان و غيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق ما يقتضي الحال ذكره، و التعريف الأول أخصر و أوضح كما لا يخفى. و أيضا التعريف بالتتبّع تعريف بالمباين إذ التتبّع ليس بعلم و لا صادق عليه، و إن شئت التوضيح فارجع إلى المطول و الاطول.
علم البيان:
و هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، كذا ذكر الخطيب في التلخيص. فالعلم جنس، و قوله يعرف به إيراد المعنى الواحد، أي علم يعرف به إيراد كلّ معنى واحد يدخل في قصد المتكلّم، على أن اللام في المعنى للاستغراق العرفي، و هذا هو العرف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها، فلو عرف من ليس له هذه الملكة أو الأصول أو الإدراك على اختلاف معاني العلم كالعربي المتكلّم بالسليقة إيراد معنى قولنا: زيد جواد بطرق مختلفة، لم يكن عالما بعلم البيان، و فسّر القوم المعنى الواحد بما يدلّ عليه الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، و اعترض عليه بأنه مما لا يفهم من العبارة، و يخرج البحث عن المجاز المفرد مع أنه من البيان، و يمكن دفعه بأنّ تخصيص المعنى الواحد بمعنى الكلام البليغ لاشتهار أنّ موضوع الفن اللفظ البليغ، على أنّ وصف المعنى بالواحد يحتمل أن يكون باعتبار وحدة تحصل للمعنى باعتبار ترتيبه في النفس بحيث لا يصحّ تقديم جزء على جزء، فهذا هو الوحدة المعتبرة في نظر البليغ. و أمّا المجاز المفرد و أمثاله، فالبحث عنه راجع إلى البحث عن الكلام البليغ، و قد احترز به عن ملكة الاقتدار على إيراد المعنى العاري عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة، فإنها ليست من علم البيان. و هذه الفائدة أقوى مما ذكره السيّد السّند من أنّ فيما ذكره القوم تنبيه على أن علم البيان ينبغي أن يتأخّر عن علم المعاني في الاستعمال، و ذلك لأنه يعلم منه هذه الفائدة أيضا، فإن رعاية مراتب الدلالة في الوضوح و الخفاء على المعنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، فإنّ هذه كالأصل في المقصودية و تلك فرع و تتمة لها؛ و كذا خرج به ملكة الاقتدار على معنى الشّجاع بألفاظ مختلفة [في الوضوح] [٣] كالأسد و الغضنفر و الليث
[١] مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن ابي بكر بن محمد بن علي السكاكي.
[٢] [علم] (+ م).
[٣] [في الوضوح] (+ م).