كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٦٦ - فائدة
موافقة للأمر. و أجيب بأنّا إذا عرّفنا الأمر بوجه ما ككونه كلاما كفانا ذلك في أن يعلم المخاطب به و هو المأمور و ما يتضمّنه و هو المأمور به و فعل مضمونه و هو طاعة. و الحاصل أن المأمور و المأمور به و الطاعة لا تتوقف معرفتها على معرفة الأمر بحقيقته، بل على معرفته بوجه ما فلا دور. و قيل هو الخبر بالثواب عن الفعل تارة و العقاب على الترك تارة. و يرد عليه أنه يستلزم الثواب و العقاب حذرا عن الخلف في خبر الصادق و ليس كذلك. أما الثواب فلجواز إحباط العمل بالرّدة، و أما العقاب فلجواز العفو و الشفاعة. فالأولى أن يقال إنه الخبر باستحقاق الثواب على الفعل و العقاب على الترك. و يرد عليهما أنّ الخبر يستلزم إمّا الصدق أو الكذب و الأمر من قبيل الإنشاء المباين للخبر فكيف يجعل أحد المتباينين جنسا للآخر. أمّا المعتزلة فلمّا أنكروا الكلام النفسي و كان الطلب نوعا منه لم يمكنهم تحديده به، فتارة حدّدوه باعتبار اللفظ فقالوا:
هو قول القائل لمن دونه افعل. و يرد عليه الإيرادان السابقان المذكوران في التعريف الثاني مع إيراد آخر و هو أن افعل إذا صدر عن الأدنى على سبيل الاستعلاء لا يكون أمرا. و أجيب بمنع كونه أمرا عندهم لغة و إن سمّي به عرفا.
و المراد بالقول هو اللفظ لأنهم لم يقولوا بالكلام النفسي. و قال قوم هو صيغة افعل مجرّدة عن القرائن الصارفة عن الأمر و فيه أنه تعريف للأمر بالأمر فيشتمل الدّور. و أجيب بأن الأمر المأخوذ في التعريف بمعنى الطلب. و تارة باعتبار ما يقترن بالصيغة من الإرادة. فقال قوم صيغة افعل بإرادات ثلاث: إرادة وجود اللفظ و إرادة دلالتها على الأمر و إرادة الامتثال.
و احترز بالأولى عن النائم إذ يصدر عنه صيغة افعل من غير إرادة وجود اللفظ و بالثانية عن التهديد و التخيير و نحو ذلك، و بالثالثة عن الصيغة التي تصدر عن المبلّغ و الحاكي فإنه لا يريد الامتثال. و يرد عليه أن فيه تعريف الشيء بنفسه. و أجيب بأن المراد بالأمر الثاني هو الطلب. و غايته أنه استعمل اللفظ المشترك تعويلا على القرينة. و تارة باعتبار نفس الإرادة فقال قوم الأمر إرادة الفعل. و فيه أنه لو كان الأمر هو الإرادة لوقعت المأمورات كلها لأن الإرادة تخصّص المقدور بحال حدوثه، و إذا لم يوجد لم يحدث، فلا يتصوّر تخصيصه بحال حدوثه. قيل مبنى هذا على أن الإرادة من اللّه و العبد معنى واحد و أن إرادته فعل العبد يستلزم وقوعه، و هذا لا يطابق أصول المعتزلة و تمام تحقيقه في الكلام.
فائدة:
لفظ الأمر حقيقة في الصيغة بالاتفاق مجاز في الفعل عند الجمهور، و حقيقة عند البعض حتى يكون مشتركا. فقد ذهب أبو الحسين البصري إلى أن لفظ الأمر مشترك بين القول المخصوص و الشيء و الفعل و الصفة و الشأن لتردّد الذهن عند إطلاقه إلى هذه الأمور، و ردّ بالمنع، بل يتبادر الذهن إلى القول المخصوص. و قيل هو حقيقة في القدر المشترك بين القول و الفعل أعني هو مشترك معنوي و متواطئ بينهما، و هو مفهوم أحدهما دفعا للاشتراك و المجاز. و بعضهم على أنه الفعل أعم من أن يكون باللسان أو بغيره.
ثم اختلفوا في أن صيغة الأمر لما ذا وضعت. فقال الجمهور إنها حقيقة في الوجوب فقط. و قال أبو هاشم إنها حقيقة في الندب فقط. و قيل في الطلب و هو القدر المشترك بين الوجوب و الندب. و قيل مشتركة بين الوجوب و الندب اشتراكا لفظيّا. و قال الأشعري و القاضي بالتوقّف فيهما أي لا ندري أ هو للوجوب أو الندب، و قيل مشتركة بين معان ثلاثة الوجوب و الندب و الإباحة. و قيل للقدر المشترك بين