كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٦٨ - فائدة
و عدمه بخلاف الممكن بالمعنى الأول فإنه ممكن أن يكون و ممكن أن لا يكون. و الثالث أنّ ما بالقوة إذا حصل بالفعل فقد يكون بتغيّر الذات كما في قولنا الماء هواء بالقوة، و قد يكون بتغيّر الصفات كما في قولنا الأمّي بالقوة كاتب، بخلاف الممكن بالمعنى الأول، فبين المعنيين عموم من وجه لتصادقهما في الصورة الثانية، و صدق الأول فقط في الصورة الأولى لصدق لا شيء من الماء بهواء بالضرورة، و لصدق الماء هواء بالإمكان، و صدق الثاني فقط حيث يكون النسبة فعلية. هكذا في شرح المطالع. قال السيّد السّند في شرح المواقف و مولانا عبد الحكيم في حاشيته في أبحاث الحدوث: الإمكان الاستعدادي مغاير للإمكان الذاتي لأن الإمكان الذاتي اعتباري، يعقل للشيء عند انتساب ماهيته إلى الوجود و هو لازم لماهية الممكن قائم بها يستحيل انفكاكه عنها، و لا يتصوّر فيه تفاوت بالقوة و الضعف و القرب و البعد أصلا، بخلاف الإمكان الاستعدادي فإنه أمر موجود من مقولة الكيف كما ذهب إليه المتأخرون من الحكماء، حيث جعلوا الاستعداد قسما رابعا من الكيفيات، و هو قائم بمحل الشيء الذي ينسب إليه لا به، و غير لازم له.
و تحقيقه أنّ الممكن إن كفى في صدوره عن الواجب تعالى إمكانه الذاتي دام بدوامه إذ الواجب تام لا شرط لتأثيره و فاعليته، و إن لم يكف إمكانه الذاتي في صدوره عنه تعالى احتاج إلى شرط به يفيض الوجود من الواجب عليه، فإن كان ذلك الشرط قديما دام أيضا بدوام الواجب و شرطه القديم، و إن كان حادثا كان الممكن المتوقف عليه حادثا ضرورة لكن ذلك الشرط يحتاج إلى شرط حادث آخر و هلمّ جرا، فيتوقف كل حادث على حادث إلى غير النهاية.
فتلك الحوادث إمّا موجودة معا و هو باطل لاستحالة التسلسل في الأمور المترتبة طبعا أو وضعا مع كونها موجودة معا، و إمّا متعاقبة في الوجود يوجد بعضها عقيب بعض و لا بدّ له أي لذلك المجموع من محل يختص به أي بالحادث المفروض أو لا، و إلّا كان اختصاص مجموع الحوادث بحادث دون آخر ترجيحا بلا مرجّح.
فإذن لذلك المحل استعدادات متعاقبة كلّ واحد منها مسبوق بالآخر لا إلى نهاية، فكل سابق من الاستعدادات شرط للاحق. و إن كانا بحيث لا يجتمعان معا في الوجود و مقرب للعلة الموجودة القديمة إلى المعلول المعين بعد بعدها عنه و مقرب لذلك المعلول إلى الوجود و مبعد له عن العدم فإن المعلول الحادث إذا توقّف على ما لا يتناهى من الحوادث المتعاقبة، فخروج كلّ منها إلى الوجود يقرب الفاعل إلى التأثير في ذلك تقريبا متجددا حتى تصل النوبة إليه فيوجد، فهذا الاستعداد الحاصل بمحل ذلك الحادث هو المسمّى بالإمكان الاستعدادي لذلك الحادث، و أنه أمر موجود لتفاوته بالقرب و البعد و القوة و الضعف، إذ استعداد النطفة للانسان أقرب و أقوى من استعداد العناصر له، و لا يتصور التفاوت بالقرب و البعد و القوة و الضعف في العدم. فإذن هو أمر موجود في محله الموجود و هو المادة و فيه نظر لأن قبوله لهما ليس إلّا وهميا منتزعا من قرب فيضانه من العلّة و بعده عنها بحسب تحقق الشروط. كيف و لا دليل على أن النطفة كيفية مغايرة للكيفية المزاجية التي هي من جملة الملموسات المقربة إلى قبول الصور المتواردة عليها، بل التحقيق أن الإمكان الاستعدادي هو الإمكان الذاتي مقيسا إلى قرب أحد طرفيه بحسب تحقق الشروط. فالمغايرة بين الإمكانين بالاعتبار و حينئذ يجوز قيام استعداد كل حادث به و لا حاجة إلى المحل. هذا قال شارح المطالع: ثم الإمكان الذاتي يطلق على معان: الأول الإمكان العامي و هو سلب الضرورة المطلقة أي الذاتية عن أحد طرفي