كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٤ - فائدة
قبلها و ما بعدها تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب و السنّة، غير محظور على العلماء بالتفسير، كقوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا [١] قيل شبابا و شيوخا، و قيل أغنياء و فقراء، و قيل نشّاطا و غير نشّاط، و قيل أصحاء و مرضى، و كل ذلك سائغ، و الآية تحتمله. و أما التأويل المخالف للآية و الشرع فمحظور، لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض قوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [٢] انهما علي و فاطمة، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ [٣] يعني الحسن و الحسين.
فائدة:
و أما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. و قال النسفي [٤] في عقائده [٥]: النصوص محمولة على ظواهرها و العدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد. و قال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنية لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلّا المعلّم، و قصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. و أما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، و مع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، و يمكن التطبيق بينها و بين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان و محض العرفان [٦]. فإن قلت: قال رسول
العباس الكواشي ولد بالموصل عام ٥٩٠ ه/ ١١٩٤ م. و فيها توفي عام ٦٨٠ ه/ ١٢٨١ م. مفسر، فقيه شافعي.
له الكثير من المؤلفات. الاعلام ١/ ٢٧٤، النجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٨، نكت الهميان ١١٦.
[١] التوبة/ ٤١.
[٢] الرحمن/ ١٩.
[٣] الرحمن/ ٢٢.
[٤] النسفي: هو الإمام عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل نجم الدين النسفي. ولد عام ٤٦١ ه/ ١٠٦٨ م، و توفي ٥٣٧ ه/ ١١٤٢ م. عالم بالتفسير و الأدب و التاريخ، فقيه حنفي، له العديد من المصنفات. الأعلام ٥/ ٦٠، لسان الميزان ٤/ ٣٢٧، إرشاد الأريب ٦/ ٥٣.
[٥] العقائد النسفية لأبي حفص، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي (- ٥٣٧ ه/ ١١٤٢ م). و كتابه في العقيدة و أصول الدين. طبع في كلكوتا سنة ١٢٦٠ ه، و ألّفت عليه شروحات و حواشي كثيرة أهمها: شرح العقائد النسفية للتفتازاني و قد سبقت الإشارة إليها. معجم المطبوعات العربية ٦٣٧.
[٦] العرفان استخدم هذا المصطلح في الموروث المعرفي العربي و الاسلامي تعبيرا عن طريق معرفي يحصل عند العارف و الحكيم بالإلهام و الكشف؛ على أن الإلهام و الكشف يحصلان بعدة مسالك، منها الإشراق المعرفي، و منها الكرامة الصوفية، و أخرى بالخيال و التنبؤ. و عرف لغة: العلم، و عرفه عرفة و عرفانا و عرفانا و معرفة ...
و رجل عروف و عرفة: عارف يعرف الأمور. و في حديث ابن مسعود: فيقال لهم هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه، أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفنا ... و يقال للحاذي- يدّعي علم الغيب- عرّاف ...
و للطبيب (لسان العرب، مادة عرف). و قيل: العلم يقال لادراك الكلي أو المركب، و المعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط، و لهذا يقال عرفت اللّه دون علمه ... و يستعمل العرفان فيما تدرك آثاره و لا تدرك ذاته. (الكفوي، الكليات، ج ٣، ص ٢٠٤) فعرف و العرفان تشيران إلى الادراك المباشر و إلى ادراك الآثار. ثم إن عرفان على وزن فعلان: خصوصيته الدلالة على التفعّل و الاضطراب خفيفا أو ثقيلا ... و فعلان: خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف. (العلائلي، المقدمة اللغوية، ص ٦٦ و ص ٧٥). و بهذا نرى أن العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب و الظهور و الاختفاء بمثل ما يدل على الحشو في الوصف. و في الحالين فإن الأمر إذا ما أخذ منضافا إلى دلالة لفظ عرف و الاصطلاح عبّر أصدق تعبير عن حقيقة العرفان و مفهومه. إذ هو معرفة مباشرة بالبسيط مخالف للبرهان و العلم الكلي يداخله الظن و حشد الاوصاف و الاضطراب مثلما يباطنه الكشف و الحدس. و من ثمّ أطلق اللفظ على ثلاثة معان:
- قابل لفظة الغنوصGnose ، و دلّ احيانا على من اتبع المعرفة الغنوصية.