كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٥٢ - تنبيهات
قوله تعالى بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [١] فيمن قرأ ليريه بلفظ الغيبة فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة ثم من الغيبة إلى التكلم مع أن قوله مِنْ آياتِنا ليس بكلام آخر بل هو من متعلّقات ليريه؛ هذا التفسير هو المشهور فيما بين الجمهور.
و قال السكاكي: الالتفات عند أهل المعاني إمّا ذلك التعبير أو التعبير بأحدها فيما حقّه التعبير بغيره، و كأنه حمل السكاكي قولهم بعد التعبير عنه بآخر منها على أعم من التعبير حقيقة أو حكما، فإنّ اقتضاء المقام تعبيرا في حكم التعبير، فالتفسير المشهور أخصّ من تفسير السكاكي فقول الشاعر:
تطاول ليلك بالإثمد.
فيه التفات على تفسير السكاكي، و قد صرّح بذلك أيضا إذ مقتضى الظاهر أن يقال:
تطاول ليلي، و ليس على التفسير المشهور منه إذ لم يذكر تطاول ليلي سابقا. هذا خلاصة ما في المطول و الأطول، فظهر أنّ الالتفات ستة أقسام. فمن التكلّم إلى الخطاب قوله تعالى:
وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [٢]، و من التكلّم إلى الغيبة قوله إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ [٣] و الأصل لنغفر لك، و من الخطاب إلى التكلّم لم يقع في القرآن و مثّل له بعضهم بقوله فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ [٤]، ثم قال إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا [٥]، و هذا المثال لا يصحّ لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا. و من الخطاب إلى الغيبة قوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ [٦] و الأصل بكم. و من الغيبة إلى الخطاب قوله وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ [٧] و الأصل لقد جاءوا.
و من الغيبة إلى التكلّم قوله: وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا [٨].
تنبيهات
الأوّل شرط الالتفات بهذا المعنى أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه، و إلّا يلزم أن يكون في أنت صديقي التفات. الثاني شرطه أيضا أن يكون في جملتين صرّح به صاحب الكشاف و غيره. الثالث ذكر التنوخي في الأقصى الغريب [٩] و ابن الأثير و غيرهما نوعا غريبا من الالتفات و هو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلّمه كقوله تعالى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [١٠] بعد أنعمت، فإنّ المعنى غير الذين غضبت عليهم. و توقف صاحب عروس الأفراح. الرابع قال ابن أبي الإصبع: جاء في القرآن من الالتفات قسم غريب جدا لم أظفر في الشعر بمثاله، و هو أن يقدم المتكلّم في كلامه مذكورين مرتّبين ثم يخبر عن الأول منهما و ينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني، ثم يعود إلى الإخبار عن الأول كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَ إِنَّهُ عَلى ذلِكَ
[١] الأسراء/ ١.
[٢] الأنعام/ ٧١- ٧٢.
[٣] الفتح/ ١- ٢.
[٤] طه/ ٧٢.
[٥] طه/ ٧٣.
[٦] يونس/ ٢٢.
[٧] (مريم/ ٨٨- ٨٩.
[٨] فصلت/ ١٢.
[٩] الأقصى الغريب و الصحيح الأقصى القريب في علم البيان لأبي علي محمد بن محمد التنوخي، زين الدينGALS ,I ,٩٩٤ .
[١٠] الفاتحة/ ٧.