كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٠ - فائدة
لم يشأ لم يفعل، فعدم الفعل لم تتعلق به المشيئة بل هو معلّل بعدم المشيئة على ما ورد به الحديث المرفوع «ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن» [١] و هذا المعنى متّفق عليه بين المتكلّمين و الحكماء، إلّا أنّ الحكماء ذهبوا إلى أن مشيئة الفعل الذي هو الفيض و الجود لازمة لذاته تعالى كلزوم العلم و سائر الصفات الكماليّة له تعالى، فيستحيل الانفكاك بينهما، و إنّ مشيئة الترك و عدم مشيئة الفعل ممتنع. فمقدّمة الشرطية الأولى و هي إن شاء واجبة الصدق عندهم و مقدمة الشرطية الثانية و هي إن لم يشأ ممتنعة الصدق، و صدق الشرطية لا يتوقّف على صدق شيء من الطرفين، فكلتا الشرطيتين صادقتان.
و المتكلمون قالوا بجواز تحقّق مقدّم كل من الشرطيتين. فالمختار و القادر على هذا المعنى هو الذي إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل.
و الثاني صحة الفعل و الترك. فالمختار و القادر هو الذي يصحّ منه الفعل و الترك. و قد يفسّران بالذي إن شاء فعل و إن شاء ترك. و هذا المعنى مما اختلف فيه المتكلّمون و الحكماء فنفاه الحكماء، لاعتقادهم أنّ إيجاده تعالى العالم على النظام من لوازم ذاته فيمتنع خلوّه عنه، و زعموا أنّ هذا هو الكلام التام، و لم يتنبّهوا على أنّ هذا نقصان تام، فإنّ كمال السلطنة يقتضي أن يكون الواجب قبل كل شيء و بعده كما لا يخفى على العاقل المنصف، و أثبته المتكلمون كلّهم و هو الحق الحقيق اللائق بشأنه تعالى لأن حقيقة الاختيار هو هذا المعنى الثاني، لأنّ الواقع بالإرادة و الاختيار ما يصحّ وجوده و عدمه بالنظر إلى ذات الفاعل. هكذا يستفاد من شرح المواقف و بعض حواشيه و مما ذكره الصادق الحلواني [٢] في حاشية الطيبي [٣].
و قال مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف في بحث امتناع استناد القديم إلى الواجب:
اعلم أنّ الإيجاب على أربعة أنحاء. الأول وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل من حيث هي مع قطع النّظر عن إرادة الفاعل و غاية الفعل، و هو ليس محلّ الخلاف لاتفاق الكلّ على ثبوت الاختيار الذي هو مقابله للّه تعالى، بل هو عند الحكماء غير متصوّر في حقه تعالى، فإنه لا يمكن النّظر إلى شيء و قطع النّظر عما هو عينه. و الثاني وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل بأن يكون الإرادة و الغاية عين الفاعل.
و بعبارة أخرى وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل مع قطع النظر عن الخارج و هذا محلّ الخلاف بين الحكماء و المتكلمين. فالحكماء ذهبوا إلى هذا الإيجاب في حقه تعالى و زعموا أنه تعالى يوجد العالم بإرادته التي هي عينه، و ذاته تعالى غاية لوجود العالم بل علّة تامة له.
و المتكلمون ذهبوا إلى الاختيار المقابل لهذا الإيجاب و قالوا إنه تعالى أوجد العالم بالإرادة الزائدة عليه لا لغرض، أو بالإرادة التي هي عينه لغرض هو خارج عنه. و الثالث وجوب الصدور نظرا إلى إرادة الفاعل و المصلحة المترتّبة على الفعل، و هذا محلّ الخلاف بين الأشاعرة و المعتزلة. فالأشاعرة قالوا بالاختيار المقابل لهذا الإيجاب حيث لم يقولوا بوجود الأصلح و جوّزوا الترجيح بلا مرجّح، و المعتزلة
[١] أخرجه الترمذي في إتحاف السادة المتقين، ٦/ ٤٠٤، بلفظ: «ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن».
[٢] الصادق الحلواني: أو الحلوائي، هو يوسف بن الحسن بن محمود التبريزي الحلوائي، عز الدين. ولد في تبريز عام ٧٣٠ ه/ ١٣٣٠ م و توفي بالجزيرة عام ٨٠٤ ه/ ١٤٠٢ م. مفسّر، فقيه شافعي، زاهد. له عدة مؤلفات. الاعلام ٨/ ٢٢٤، بغية الوعاة ٤٢١، الضوء اللامع ١٠/ ٣٠٩، هدية العارفين ٢/ ٥٥٩.
[٣] حاشية الطيبي أو حاشية على فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب ليوسف بن الحسن بن محمود التبريزي الحلواني.
(- ٨٠٤ ه)، و فتوح الغيب شرح لكشاف الزمخشري في التفسير للحسين بن محمد بن عبد اللّه، شرف الدين الطيبي (- ٧٤٣ ه).