كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٠٠ - التقسيم
كثيرة، بخلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة و الكثيرة. و في المغرب الدهر و الزمان واحد.
و أما الفقهاء فقد اختلفوا فيه. فقال أبو حنيفة رحمه اللّه لا أدري ما الدهر و ما معناه لأنّه لفظ مجمل و لم يجد نصّا على المراد عنه [١] فتوقّف فيه. ثم اختلفوا فروى بشر [٢] عن أبي يوسف أنّ التعريف و التنكير سواء عند أبي حنيفة رحمه اللّه، و ذكر في الهداية الصحيح أنّ هذا في المنكّر و أمّا المعرّف فبمعنى الأبد بحسب العرف. و عندهما الدهر معرفا و منكرا ستة أشهر هكذا يستفاد من جامع الرموز و البرجندي في آخر كتاب الإيمان.
الدّهرية:
[في الانكليزية]Atheism ،materialism -Atheisme ،materialisme ،al
[في الفرنسية]dahriya )secte(
فرقة من الكفار ذهبوا الى قدم الدهر و استناد الحوادث الى الدهر كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [٣] كذا في شرح المقاصد. و ذهبوا الى ترك العبادات رأسا لأنها لا تفيد، و إنّما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو الواقع فيه. فما ثمّ إلّا أرحام تدفع و أرض تبلع و سماء تقلع و سحاب تقشع و هواء تقمع، و يسمّون بالملاحدة أيضا. فهم عبدوا اللّه من حيث الهوية [٤]. قال عليه السلام «إنّ الدهر هو اللّه» [٥] كذا في الإنسان الكامل في باب سرّ الأديان و يجيء في لفظ الشرك أيضا. و في كليات أبي البقاء الدهر هو في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده الى انقضائه و مدة الحياة، و هو في الحقيقة لا وجود له في الخارج عند المتكلّمين لأنه عندهم عبارة عن مقارنة حادث لحادث، و المقارنة أصل اعتباري عدمي. و لذا ينبغي [في التحقيق] [٦] أن لا يكون عند من حدّه من الحكماء بمقدار حركة الفلك. و أما عند من عرّفه منهم بأنّه حركة الفلك فإنه و إن كان وجوديّا إلّا أنه لا يصلح للتأثير. و الدهر معرّفا الأبد بلا خلاف. و أمّا منكّرا فقد قال أبو حنيفة رحمه اللّه لا أدري كيف هو في حكم التقدير لأنّ مقادير الأسماء و اللغات لا تثبت إلّا توقيفا.
و جاء في ترجمة المشكاة للشيخ عبد الحق الدّهلوي في شرح حديث: «يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر و أنا الدهر»، إلى آخره، مذكور أنّ الدهر بمعنى الفاعل و المدبّر و المتصرّف، لأنّ سبّ الدّهر مشعر باعتقاد أنّه فعّال و متصرّف.
و يقال: الدّهر اسم فاعل متصرّف. لذلك قال:
«أنا الدّهر» يعني ما تعتقده (يا ابن آدم) بأنّه فاعل و متصرّف فأنا الفاعل و المتصرّف فثمّة مضاف محذوف أي أنا مقلّب الدّهر، كما يدلّ على ذلك آخر الحديث، أعني: بيدي الأمر أقلب الليل و النهار. و قال الكرماني (شارح البخاري):
المراد بأنا الدهر أنا المدهر أي مقلّبه. و قال بعضهم: الدّهر هو من الأسماء الحسنى الإلهية.
و قد أنكر ذلك «الخطابي»، و لكن صحّة ذلك تفهم من القاموس مع صرف النظر عنها كون ذلك ليس فيه معنى جيدا، إلّا بمعنى: الدّهر:
فاعل و متصرّف و وجود الأذى بسبّ الدّهر من حيث إنّ الذّمّ و السبّ مشعر بثبوت التصرّف له،
[١] منه (م).
[٢] هو بشر بن الوليد بن خالد الكندي البغدادي. توفي عام ٢٣٨ ه/ ٨٥٣ م. من تلاميذ أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. قاض حنفي. له عدة مؤلفات. هدية العارفين ٥/ ٢٣٢.
[٣] الجاثية/ ٢٤.
[٤] الهواية (م).
[٥] رواه احمد في المسند ٥/ ٢٩٩، بلفظ: لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر.
[٦] [في التحقيق] (+ م، ع).