كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١١ - فائدة
فائدة
قال صدر الشريعة: قد يذكر الحيثية في الموضوع و له معنيان: أحدهما أنّ الشيء مع تلك الحيثية موضوع، كما يقال: الموجود من حيث إنه موجود، أي من هذه الجهة و بهذا الاعتبار موضوع العلم الالهي، فيبحث فيه عن الأحوال التي تلحقه من حيث إنّه موجود كالوحدة، و الكثرة، و نحوهما، و لا يبحث فيه عن تلك الحيثية أي حيثية الوجود لأن الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية لا ما يبحث عنه و عن أجزائه. و ثانيهما أن الحيثية تكون بيانا للأعراض الذاتية المبحوث عنها فإنه يمكن أن يكون للشيء عوارض ذاتية متنوعة، و إنّما يبحث في علم من [١] نوع منها، فالحيثية بيان لذلك النوع، فيجوز أن يبحث عنها، فقولهم: موضوع الطبّ بدن الإنسان من حيث إنّه يصحّ و يمرض، و موضوع الهيئة أجسام العالم من حيث إنّ لها شكلا يراد به المعنى الثاني لا الأول، إذ في الطب يبحث عن الصحة و المرض، و في الهيئة من [٢] الشكل، فلو كان المراد الأول لم يبحث عنها.
قيل: و لقائل أن يقول: لا نسلّم أنها في الأول جزء من الموضوع، بل قيد لموضوعيته، بمعنى أن البحث يكون عن الأعراض التي تلحقه من تلك الحيثية؛ و بذلك الاعتبار و على هذا لو جعلنا في القسم الثاني أيضا قيدا للموضوع لا بيانا للأعراض الذاتية على ما هو ظاهر كلام القوم لم يكن البحث عنها في العلم بحثا عن أجزاء الموضوع و لم يلزم للقوم ما لزم لصدر الشريعة من تشارك العلمين في موضوع واحد بالذات و الاعتبار.
و أمّا الإشكال بلزوم عدم كون الحيثية من الأعراض المبحوث عنها في العلم ضرورة أنها ليست ممّا يعرض للموضوع من جهة نفسها، و إلّا لزم تقدّم الشيء على نفسه، مثلا ليست الصحّة و المرض مما يعرض لبدن الإنسان من حيث يصحّ و يمرض، فالمشهور في جوابه أن المراد من حيث إمكان الصحة و المرض و هذا ليس من الأعراض المبحوث عنها.
و التحقيق أن الموضوع لمّا كان عبارة عن المبحوث عنها في العلم عن أعراضه الذاتية قيّد بالحيثية، على معنى أن البحث عن العوارض إنّما يكون باعتبار الحيثية و بالنظر إليها أي يلاحظ في جميع المباحث هذا المعنى الكلّي لا على معنى أن جميع العوارض المبحوث عنها يكون لحوقها للموضوع بواسطة هذه الحيثية البتة. و تحقيق هذه المباحث يطلب من التوضيح [٣] و التلويح [٤].
و أمّا المسائل فهي القضايا التي يطلب بيانها في العلوم و هي في الأغلب نظريات، و قد تكون ضرورية فتورد في العلم إمّا لاحتياجها إلى تنبيه يزيل عنها خفاءها، أو لبيان لمّيتها، لأن القضية قد تكون بديهية دون لمّيتها ككون النار محرقة فإنه معلوم الإنيّة أي الوجود مجهول اللمّية، كذا في شرح
[١] عن (م).
[٢] عن (م).
[٣] التوضيح في حل غوامض التنقيح لصدر الشريعة عبيد اللّه بن مسعود المحبوبي الحنفي (- ٧٤٧ ه/ ١٣٤٦ م)، دهلي، ١٢٦٧ ه. و الكتاب شرح لتنقيح الأصول للمؤلف نفسه. اكتفاء القنوع، ١٤٠، و معجم المطبوعات العربية، ١١٩٩- ١٢٠٠.
[٤] التلويح في كشف حقائق التنقيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- ٧٩٢ ه/ ١٣٨٩ م) شرح فيه تنقيح الأصول لصدر الشريعة، دهلي، ١٢٦٧ ه. معجم المطبوعات العربية ١٢٠٠ و اكتفاء القنوع ١٤٠.