كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٦٣ - التقسيم
التقسيم
الحكماء قسّموا الجسم الطبيعي تارة إلى مركّب يتألف من أجسام مختلفة الحقائق كالحيوان و إلى بسيط و هو ما لا يتألف منها كالماء، و قسّموا المركّب إلى تام و غير تام و البسيط إلى فلكي و عنصري و تارة إلى مؤلّف يتركّب من الأجسام سواء كانت مختلفة كالحيوان أو غير مختلفة كالسرير المركّب من القطع الخشبية المتشابهة في الماهية و إلى مفرد لا يتركب منها. قال في العلمي حاشية شرح هداية الحكمة و النسبة بين هذه الأقسام أنّ المركب مباين للبسيط الذي هو أعمّ مطلقا من المفرد، إذ ما لا يتركّب من أجسام مختلفة الحقائق قد لا يتركّب من أجسام أصلا، و قد يتركّب من أجسام غير مختلفة الحقائق.
و بالجملة فالمركب مباين للبسيط و للمفرد أيضا، فإنّ مباين الأعمّ مباين الأخصّ و المركّب أخصّ مطلقا من المؤلّف، إذ كلّ ما يتركّب من أجسام مختلفة الحقائق مؤلّف من الأجسام بلا عكس كلي، و البسيط أعمّ من وجه من المؤلّف لتصادقهما في الماء مثلا و تفارقهما في المفرد المباين للمؤلّف و في المركب.
و أما عند المتكلمين فعند الأشاعرة منهم هو المتحيز القابل للقسمة في جهة واحدة أو أكثر. فأقلّ ما يتركّب منه الجسم جوهران فردان أي مجموعهما لا كلّ واحد منهما. و قال القاضي: الجسم هو كلّ واحد من الجوهرين لأنّ الجسم هو الذي قام به التأليف اتفاقا، و التأليف عرض لا يقوم بجزءين على أصول أصحابنا لامتناع قيام العرض الواحد الشخصي بالكثير، فوجب أن يقوم بكل من الجوهرين المؤلّفين على حدة، فهما جسمان لا جسم واحد [١]، و ليس هذا نزاعا لفظيا راجعا إلى أنّ لفظ الجسم يطلق على ما هو مؤلّف في نفسه أي فيما بين أجزائه الداخلة فيه، أو يطلق على ما هو مؤلّف مع غيره كما توهّمه الآمدي، بل هو نزاع في أمر معنوي هو أنه هل يوجد ثمة أي في الجسم أمر موجود غير الأجزاء هو الاتصال و التأليف كما يثبته المعتزلة، أو لا يوجد؟ فجمهور الأشاعرة ذهبوا إلى الأول فقالوا: الجسم هو مجموع الجزءين، و القاضي إلى الثاني، فحكم أنّ كلّ واحد منهما جسم.
و قالت المعتزلة الجسم هو الطويل العريض العميق. و اعترض عليه الحكماء بأنّ الجسم ليس جسما بما فيه من الأبعاد بالفعل. و أيضا إذا أخذنا شمعة و جعلنا طولها شبرا و عرضها شبرا ثم جعلنا طولها ذراعا و عرضها إصبعين مثلا فقد زال ما كان، و جسميتها باقية بعينها، و هذا غير وارد لأنه مبني على إثبات الكمية المتصلة. و أما على الجزء و تركّب الجسم منه كما هو مذهب المتكلّمين فلم يحدث في الشمعة شيء لم يكن و لم يزل عنها شيء قد كان، بل انقلب الأجزاء الموجودة من الطول إلى العرض أو بالعكس.
أو نقول المراد أنه يمكن أن يفرض فيه طول و عرض و عمق، كما يقال الجسم هو المنقسم و المراد قبوله للقسمة. ثم اختلف المعتزلة بعد اتفاقهم على ذلك الحدّ في أقل ما يتركّب منه الجسم من الجواهر الفردة [٢]. فقال النّظّام لا يتألف الجسم إلّا من أجزاء غير متناهية. و قال الجبّائي يتألف الجسم من أجزاء ثمانية بأن يوضع جزءان فيحصل الطول و جزءان آخران على جنبه فيحصل العرض، و أربعة أخرى فوق تلك الأربعة فيحصل العمق. و قال العلّاف من ستة بأن يوضع ثلاثة على ثلاثة. و الحق أنه يمكن من أربعة أجزاء بأن يوضع جزءان و بجنب
[١] واحد (- م، ع).
[٢] المفردة (م).