كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٣٨ - فائدة
فإنها إذا كانت صغيرة كان الجزء الواقع من الجليدية فيها صغيرا فيرتسم فيه صورة المرئي فيرى صغيرا، و إذا كانت كبيرة [١] كان الجزء الواقع فيها كبيرا فيرتسم صورته فيه فيرى كبيرا.
و هذا إنما يستقيم إذا جعل الزاوية موضعا للإبصار كما ذهبنا. و أما إذا جعل موضعه قاعدة المخروط كما يقتضيه القول بخروج الشّعاع فيجب أن يرى كما هو سواء خرجت الخطوط الشعاعية من زاوية ضيّقة أو غير ضيّقة، هكذا قالوا، و فيه بحث إذ ليس الإبصار حاصلا بمجرّد القاعدة، بل لرأس المخروط فيه مدخل أيضا، فجاز أن يتفاوت حاصل المرئي صغرا و كبرا بتفاوت رأسه دقّة و غلظا.
ثم إنهم لا يريدون بالانطباع المذكور أنّ الصورة منفعلة من البصر إلى الرطوبة الجليدية، بل المراد به أنّ الصورة إنما تحصل فيها عند المقابلة عن واهب الصّور لاستعداد يحصل بالمقابلة، و ليس في قوّة البشر تعليل هذا.
و ذلك لأنّ الإبصار ليس بمجرد الانطباع المذكور، و إلّا لزم رؤية الشيء شيئين بسبب انطباعه في جليدتي العينين بل لا بدّ مع ذلك من تأدّي الشبح في العصبتين المجوّفتين إلى ملتقاهما بواسطة الروح التي فيهما و منه إلى الحسّ المشترك. و المراد من التأدية أنّ انطباعها في الجليدة معدّ لفيضان الصّورة من واهب الصّور على الملتقى، و فيضانها عليه معدّ لفيضانها على الحسّ المشترك.
و المذهب الثالث هو مذهب طائفة من الحكماء و هو أنّ الإبصار ليس بخروج الشعاع و لا بالانطباع بل بأنّ الهواء المشفّ الذي بين البصر و المرئي يتكيّف بكيفية الشعاع الذي في البصر و يصير بذلك آلة للإبصار. و هذا المذهب في حكم المذهب الأول لأنّه مبني على الشعاع. قال الإمام الرازي: إنّا نعلم بالضرورة أنّ العين على صغرها لا يمكن أن يخيل [٢] نصف كرة العالم إلى كيفيتها، و لا أن يخرج منها ما يتّصل بنصف كرته و لا أن يدخل فيها صورة نصفه. فالمذاهب الثلاثة باطلة ظاهرة الفساد بتأمّل قليل. و من المحتمل أن يقال الإبصار شعور مخصوص و ذلك الشعور حالة إضافية، فمتى كانت الحاسّة سليمة و سائر الشروط حاصلة و الموانع مرتفعة حصلت للمبصر هذه الإضافة من غير أن يخرج عن عينه جسم أو ينطبع فيها صورة؛ فليس يلزم من إبطال الشعاع أو الانطباع صحة الآخر، إذ ليسا على طرفي النقيض، انتهى. و ملخّصه على ما قيل إنه إذا قابل المرئي على الرائي على وجه مخصوص خلق اللّه الرؤية من غير اتصال شعاع و لا انطباع صورة.
فائدة:
قال الفلاسفة و تبعهم المعتزلة إنّ الإبصار يتوقّف على شرائط ممتنع حصوله بدونها و يجب حصوله معها و هي سبعة. الأول المقابلة.
و الثاني عدم البعد المفرط. و الثالث عدم القرب المفرط فإنّ المبصر إذا قرّب البصر جدا بطل الإبصار. و الرابع عدم الصغر المفرط.
و الخامس عدم الحجاب بالكثيف بين الرائي و المرئي. و السادس كون المرئي مضيئا إمّا من ذاته أو من غيره. و السابع كونه كثيفا أي مانعا للشعاع من النفوذ فيه. و ما قيل من أنه قد يضاف إلى هذه السبعة ثلاثة أخرى هي سلامة الحاسّة و القصد إلى الإحساس و توسّط الشفاف بين الرائي و المرئي ففيه أنّ هذا الأخير يغني عنه اشتراط عدم الحجاب؛ لكنّ الأوّلين لا بدّ أن
[١] كثيرة (م). [٢] يحيل (م).