كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٦ - فائدة
الثابت بالأمر أعم من أن يكون ثبوته بصريح الأمر نحو وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [١] أو بما هو في معناه نحو وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [٢].
و معنى تسليم العين أو المثل في الأفعال و الأعراض إيجادها و الإتيان بها، كأنّ العبادة حقّ اللّه تعالى، فالعبد يؤدّيها و يسلّمها إليه تعالى. و لم يعتبر التقييد بالوقت ليعمّ أداء الزكاة و الأمانات و المنذورات و الكفارات.
و اختيار ثبت على وجب ليعمّ أداء النفل. قيل هذا خلاف ما عليه الفقهاء من أنّ النفل لا يطلق عليه الأداء إلّا بطريق التوسّع، نعم موافق لقول من جعل الأمر حقيقة في الإيجاب و الندب. و اختيار وجب في حدّ القضاء بناء على كون المتروك مضمونا و النفل لا يضمن بالترك. و أما إذا شرع فيه فأفسده فقد صار بالشروع واجبا فيقضى، و المراد بالواجب ما يشتمل الفرض أيضا. و لا بدّ من تقييد مثل الواجب بأن يكون من عند من وجب عليه كما قيده به البعض، و قال إسقاط الواجب بمثل من عند المأمور و هو حقه هو القضاء احترازا عن صرف دراهم الغير إلى دينه، فإنه لا يكون قضاء، و للمالك أن يستردّها من ربّ الدّين.
و كذا إذا نوى أن يكون ظهر يومه قضاء من ظهر أمسه أو عصره قضاء من ظهره لا يصحّ مع قوّة المماثلة بخلاف صرف النفل إلى الفرض مع أن المماثلة فيه أدنى. و إنّما صحّ صرف النفل إلى الفرض لأن النفل خالص حقّ العبد و هو قادر على فعله، فإذا صرفه إلى القضاء جاز.
فإن قيل يدخل في تعريف الأداء الإتيان بالمباح الذي ورد به الأمر كالاصطياد بعد الإحلال، و لا يسمّى أداء إذ ليس في العرف إطلاق الأداء عليه. قلت المباح ليس بمأمور به عند المحققين، فالثّابت بالأمر لا يكون إلّا واجبا أو مندوبا، لكن عند من قال بأنه مأمور به فينبغي أن يسمّى أداء كما ذكر صاحب الكشف.
و اعلم أنه قد يطلق كل من الأداء و القضاء على الآخر مجازا شرعيا لتباين المعنيين مع اشتراكهما في تسليم الشيء إلى من يستحقه و في إسقاط الواجب، كقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [٣] أي أدّيتم. و كقوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ [٤] أي أدّيت صلاة الجمعة، و كقولك نويت أداء ظهر أمس. و أما بحسب اللغة فقد ذكروا أنّ القضاء حقيقة في تسليم العين و المثل و أنّ الأداء مجاز في تسليم المثل.
و اعلم أيضا أنهم لم يذكروا الإعادة في هذا التقسيم لأنها داخلة في الأداء و القضاء على ما يجيء في محلها.
و الأداء ينقسم إلى أداء محض و هو ما لا يكون فيه شبه من القضاء بوجه من الوجوه من حيث تغيّر الوقت و لا من حيث التزامه، و إلى أداء يشبه القضاء. و الأول أي الأداء المحض ينقسم إلى كامل و هو ما يؤدّى على الوجه الذي شرع عليه كالصلاة بجماعة و ردّ عين المغصوب، و قاصر و هو بخلافه كالصلاة منفردا فإنه أداء على خلاف ما شرع عليه، فإن الصلاة لم تشرع إلّا بجماعة لأن جبرائيل عليه السلام علّم الرسول عليه السلام الصلاة أوّلا بجماعة في يومين، و كرد المغصوب مشغولا بالجناية أو بالدّين بأن غصب عبدا فارغا ثم لحقه الدّين في الجناية في يد الغاصب. و الأداء الذي يشبه القضاء كإتمام الصلاة من اللاحق فإنه أداء من
[١] يونس/ ٨٧: النور/ ٥٦. الروم/ ٣١.
[٢] آل عمران/ ٩٧.
[٣] البقرة/ ٢٠٠.
[٤] الجمعة/ ١٠.