كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٩٨ - التقسيم
عرفت أنّ مرجع ذلك التعريف إمّا إلى اصطلاح أهل الميزان أو إلى اصطلاح المتكلّمين أو أهل الأصول. و إن أراد به اصطلاح العلماء بمعنى أنهم جميعا يعرفون بهذا التعريف و إن اختلف وجهه فلا يفيد كثير فائدة. و أيضا لا خفاء في أنّ محصّل التعريف المنقول عن الفلاسفة هو أنّ الدليل بمعنى الموصل إلى التصديق قياسا كان أو غيره، و قد عرفت أنّ هذا المعنى من مصطلحات أهل الميزان، فلا يعرف للفلاسفة اصطلاحا منفردا، بل الظاهر أنهم يوافقون في هذا لأهل الميزان. و أيضا محصّل التعريف المنقول عن الأصوليين هو أنّ الدليل ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري و قد عرفت أنّه لا فرق في الاصطلاح بينهم و بين المتكلّمين لا في هذا التعريف الأعمّ و لا في التعريف الأخصّ الذي نسبه ذلك الشارح إلى المتكلمين، فالتعويل على ما ذكرناه سابقا.
التقسيم
قال المتكلّمون: الدليل إمّا عقلي بجميع مقدماته قريبة أو بعيدة، أو نقلي بجميعها، أو مركّب منهما. و الأول هو الدليل العقلي المخصوص [١] الذي لا يتوقّف على السمع أصلا. و الثاني النقلي المحض و هذا لا يتصوّر إذ صدق المخبر لا بد منه حتى يفيد العلم و أنّه لا يثبت إلّا بالعقل. و الثالث أي المركّب منهما هو الذي يسمّيه معاشر المتكلّمين بالنقلي لتوقفه على النقل في الجملة، فانحصر الدليل في قسمين العقلي المحض و المركّب من العقلي و النقلي، هذا هو التحقيق. و لا يخفى أنّ هذا التقسيم إذا أريد بالدليل المقدمات المترتبة فلا غبار عليه، لكن لا يمكن تطبيقه على مذهب المتكلّمين. أمّا إذا أريد به مأخذها كالعالم للصانع و كالكتاب و السنة و الإجماع للأحكام فلا معنى له. فطريق القسمة أنّ استلزامه للمطلوب إن كان بحكم العقل فعقلي و إلّا فنقلي، كذا في شرح المقاصد. و وقع في عبارة بعضهم تثليث القسمة بطور صحيح، فقيل مقدمات الدليل القريبة قد تكون عقلية محضة كقولنا العالم متغيّر و كل متغيّر حادث. و قد تكون نقلية محضة كقولنا تارك المأمور به عاص بقوله تعالى أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي [٢] و كلّ عاص يستحق النار لقوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [٣] و قد يكون بعضها مأخوذا من النقل و بعضها مأخوذا من العقل لا من النقل فيشتمل المأخوذة من الحس كقولنا هذا تارك المأمور به و كل تارك المأمور به عاص، فإنّ المقدمة الأولى يحكم بها العقل و لو بواسطة الحسّ و لا يتوقف على النقل، فلا بأس أن يسمّى هذا القسم الأخير بالمركّب.
ثم المطالب التي تطلب بالدليل ثلاثة أقسام. احدها ما يمكن عند العقل أي لا يمتنع عقلا إثباته و لا نفيه نحو جلوس الغراب الآن على المنارة فهذا المطلب لا يمكن إثباته إلّا بالنقل لأنّه لمّا كان غائبا عن العقل و الحسّ معا استحال العلم بوجوده أو بعدمه إلّا من قول الصادق، و من هذا القبيل تفاصيل أحوال المعاد. و ثانيها ما يتوقّف عليه النقل مثل وجود الصانع تعالى و نبوّة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهذا المطلب لا يثبت إلّا بالعقل لأنّه لو ثبت بالنقل لزم الدور، لأنّ كلّ واحد منهما يتوقف على الآخر. و ثالثها ما عداهما كالحدوث إذ يمكن إثبات الصانع بدونه بأن يستدلّ على وجوده بإمكان العالم ثم يثبت كونه
[١] المحض (م، ع).
[٢] طه/ ٩٣.
[٣] الجن/ ٢٣.