كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٢٢ - فائدة
الاعتدال النوعي أنّ كل نوع من أنواع المركّبات العنصرية له مزاج مخصوص هو أصلح الأمزجة بالنسبة إليه فالحياة في كل نوع من أنواع الحيوانات تابعة لذلك المزاج المسمّى بالاعتدال النوعي. و معنى الفيضان أنّه إذا حصل في مركّب عنصري اعتدال نوعي فاضت عليه من المبدأ قوة الحياة ثم انبعثت منها قوى أخرى، أعني الحواس الظاهرة و الباطنة و القوى المحرّكة إلى جلب المنافع و دفع المضار، كلّ ذلك بتقدير العزيز العليم فهي تابعة للمزاج النوعي و متبوعة لما عداها. و قد ترسم الحياة بأنّها قوة تقتضي الحسّ و الحركة الإرادية مشروطة باعتدال المزاج.
و استدلّ الحكيم على مغايرة الحياة لقوتي الحسّ و الحركة فقال ابن سينا هي غير قوة الحسّ و الحركة، و غير قوة التغذية فإنّها توجد في العضو المفلوج إذ هي الحافظة للأجزاء عن الانفكاك، و ليس له قوة الحسّ و الحركة. و كذا الحال في العضو الذابل فإنّه لو لم يكن حيّا يفسد بالتعفّن مع عدم قوة التغذية، و توجد في النبات قوة التغذية مع عدم الحياة. و أجيب بأنّا لا نسلّم أن قوة الحس و الحركة و التغذية مفقودة في المفلوج و الذابل لجواز أن يكون الإحساس و الحركة و التغذية قد تخلّف عن القوة الموجودة فيها لمانع يمنعها عن فعلها، لا لعدم المقتضي.
و لا نسلم أنّ التغذية التي في الحي موجودة في النبات لجواز أن تكون التغذية في النبات مخالفة بالماهية للتغذية في الحي. هذا خلاصة ما في شرح الطوالع و شرح المواقف. فعلى هذا لا توجد الحياة في النبات و قيل بوجودها في النبات أيضا لأن الحياة صفة هي مبدأ التغذية و التنمية. و منهم من ادّعى تحقق الحس و الحركة في النبات كما سيجيء. و في الملخّص الحياة إما اعتدال المزاج أو قوة الحسّ و الحركة أو قوة تتبع ذلك الاعتدال، سواء كان نفس قوة الحسّ و الحركة، أو مغايرة لها كما اختاره ابن سينا انتهى.
و في البيضاوي في تفسير قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [١] الآية، الحياة حقيقة في القوة الحسّاسة أو ما يقتضيها مجاز في القوة النامية لأنّها من مقدماتها، و فيما يخصّ الإنسان من الفضائل كالعقل و العلم و الإيمان من حيث إنّه كمالها و غايتها، و الموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة كما قال تعالى: يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [٢]، و قال اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [٣]، و قال أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [٤] انتهى كلامه.
فائدة:
شرط الحياة عند الحكماء البنية [٥] التي هي الجسم المركّب من العناصر على وجه
[١] البقرة/ ٢٨.
[٢] الجاثية/ ٢٦.
[٣] الحديد/ ١٧.
[٤] الانعام/ ١٢٢.
[٥] البنية: مصطلح البنية يستعمل كثيرا في العصر الحديث، و هو في أصله في اللسان من بني (لسان العرب) و يقابلstructure الأوروبية، و البنية و البنية: ما بنيته، و هو البنى و البنى. و قال ابو اسحاق: إنما أراد بالبنى جمع بنية. و قال غيره: يقال بنية، و هي مثل رشوة كأن البنية الهيئة التي بني عليها مثل المشية فالباء المكسورة أشد استعمالا من الباء المضمومة.
أما المعنى الحديثStructuralisme فهو يطلق على المذهب أو النهج الجديد في رؤية قضايا العلم و اشكالاته من تلك التي تعالج الظواهر و الرموز. فابتداء بألسنية اللغة، امتدادا إلى الإناسة و التحليل النفسي، انتهاء ببنى العلاقات الرياضية و المنطقية المعاصرة، نهجت هذه العلوم نهجا بنيويا يرى تركيبات الظواهر أو العناصر في هذه العلوم مبنية على أسس