كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٠٢ - فائدة
إن اتّبعوا ملّة من ملل الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فهم المتكلّمون و إلّا فهم الحكماء المشّائيّون، لقّبوا بذلك لأنّهم كانوا مشّائين في ركاب أفلاطون متعلّمين منه العلم و الحكمة بطريق المباحثة. و الثاني طريقة أهل الرياضة و المجاهدة. و سالكوها إن وافقوا في رياضتهم الشريعة فهم الصوفية المتشرّعون، و إلّا فهم الحكماء الإشراقيون، لقّبوا بذلك لأنّهم هم الذين أشرقت بواطنهم الصافية بالرياضة و المجاهدة من باطن أفلاطون حاضرين في مجلسه أو غائبين عن مجلسه، و متوجهين إلى باطنه الصافي المتحلى بالعلوم و المعارف، مستفيدين منه بالتوجّه إلى باطنه لا بالمباحثة و المناظرة، فلكلّ طريقة طائفتان. و حاصل الطريقة الأولى الاستكمال بالقوة النظرية و الترقّي في مراتبها، و الغاية [القصوى] [١] من تلك المراتب هي العقل المستفاد. و محصول الطريقة الثانية الاستكمال بالقوة العملية و الترقّي في درجاتها. و في الدرجة الثالثة من هذه القوة تفيض على النفس صور المعلومات على سبيل المشاهدة كما في العقل المستفاد، بل هذه الدرجة أكمل و أقوى منه لأنّ الحاصل في المستفاد لا يخلو عن الشبهات الوهمية كما يجيء تحقيقه في بابه. هكذا في حواشي شرح المطالع في الخطبة. و في شرح إشراق الحكمة مراتب الحكماء عشر. إحداها حكيم إلهي متوغّل في التأله عديم البحث، و هذا كأكثر الأنبياء و الأولياء من مشايخ التصوّف كأبي يزيد البسطامي و سهل بن عبد اللّه [٢] و نحوهما من أرباب الذوق دون البحث الحكمي. و ثانيتها حكيم بحّاث عديم التّألّه متوغّل في البحث و هذه المرتبة عكس المرتبة الأولى، و هو من المتقدّمين كأكثر المشّائين و من المتأخّرين كالشيخين الفارابي و أبي علي و أتباعهما. و ثالثتها حكيم إلهي متوغّل في البحث و التألّه، و هذه الطبقة أعزّ من الكبريت الأحمر و لا يعرف أحد من المتقدّمين موصوفا بهذه الصفة لأنّهم و إن كانوا متوغّلين في التألّه لم يكونوا متوغّلين في البحث، إلّا أن يراد بتوغّلهم فيه معرفة الأصول و القواعد بالبرهان من غير بسط الفروع، و تفصيل المجمل و تمييز العلوم بعضها من بعض مع التنقيح و التهذيب، لأنّ هذا ما تمّ إلّا باجتهاد أرسطو. و رابعتها و خامستها حكيم إلهي متوغّل في التألّه متوسّط في البحث أو ضعيف.
و سادستها و سابعتها حكيم متوغّل في البحث متوسّط في التألّه أو ضعيف. و ثامنتها طالب للتألّه و البحث. و تاسعتها طالب للتألّه فحسب.
و عاشرتها طالب البحث فحسب.
فائدة:
إن اتّفق في وقت متوغّل في التألّه و البحث فله الرئاسة أي رئاسة العالم العنصري لكماله في الحكمتين، و هو خليفة اللّه لأنّه أقرب الخلق منه تعالى، و إن لم يتّفق فالمتوغّل في التألّه المتوسّط في البحث، و إن لم يتّفق فالمتوغّل في التألّه عديم البحث. و لا يمكن خلوّ الأرض عن مثله أبدا بخلاف الأولين فإنّه يجوز خلوّ الأرض عنهما لندرتهما. و لا رئاسة في الأرض للباحث المتوغّل في البحث فقط إذ لا بد في الخلافة من التلقّي من الباري و العقول؛ و ليس المراد بالرئاسة التغلّب بل استحقاق الإمامة. فقد يكون الإمام المتألّه مستوليا ظاهرا كسائر الأنبياء ذوي الشوكة
[١] [القصوى]+ (م، ع).
[٢] هو سهل بن عبد اللّه بن يونس التستري، أبو محمد. ولد عام ٢٠٠ ه/ ٨١٥ م. و توفي عام ٢٨٣ ه/ ٨٩٦ م. أحد أئمة الصوفية الكبار، له عدة مصنفات. الاعلام ٣/ ١٤٣، طبقات الصوفية ٢٠٦، وفيات الاعيان ١/ ٢١٨، حلية الأولياء ١٠/ ١٨٩، طبقات الشعراني ١/ ٦٦.