كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٠٤ - فائدة
و في خلاصة السلوك الحلال هو الذي قد انقطع عنه حقّ الغير. و قال سهل ما لا تعصى اللّه فيه.
قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم: (من أكل الحلال أربعين يوما نوّر اللّه قلبه و تجري ينابيع الحكمة من قلبه) [١] انتهى. قال ابن الحجر في شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث السادس: الحلال ضد الحرام لغة و شرعا.
و الحلال البيّن أي الظاهر هو ما نصّ اللّه تعالى و رسوله أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه. و منه أيضا ما لم يعلم فيه منع على أسهل القولين. و الحرام البيّن ما نصّ أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه، أو على أنّ فيه حدّا أو تعزيرا أو وعيدا. و المشتبه ما ليس بواضح.
الحلّ و الحرمة مما تنازعته الأدلة و تجاذبته المعاني و الأسباب، فبعضها يعضده دليل الحرام و بعضها يعضده دليل الحلال. و من ثمّ فسّر أحمد و إسحاق [٢] و غيرهما المشتبه بما اختلف في حلّ أكله كالخيل أو شربه كالنبيذ أو لبسه كجلود السباع أو كسبه كبيع العينة. و فسّره أحمد مرّة باختلاط الحلال و الحرام. و حكم هذا أنّه يخرج قدر الحرام و يأكل الحلال عند كثيرين من العلماء سواء قلّ الحرام أم كثر. و من المشتبه معاملة من في ماله حرام. فالورع تركه مطلقا و إن جازت. و قيل و اعتمده الغزالي إن كان أكثر ماله الحرام حرمت معاملته. ثم الحصر في الثلاثة صحيح لأنّه إن نصّ أو أجمع على الفعل فالحلال، أو على المنع جازما فالحرام، أو سكت عنه أو تعارض فيه نصّان و لم يعلم المتأخّر منهما فالمشتبه. و ليس المراد بتعارضها تقابلها على جهة واحدة في الترجيح، فإنّ هذا كلام متناقض، بل المراد التعارض بحيث يتخيّل الناظر في ابتداء نظره فإذا حقّق فكره رجح.
و المشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس لتعارض الأدلّة. و أمّا العلماء فيعرفون حكمها بنصّ أو إجماع أو قياس أو استصحاب و نحوها. فإذا تردّد شيء بين الحلّ و الحرمة و لم يكن فيه نصّ و لا إجماع اجتهد المجتهد فيه و أخذ بأحدهما بالدليل الشرعي فيصير حلالا أو حراما. و قد يكون دليله غير خال عن الاحتمال فيكون الورع تركه. و ما لم يظهر لمجتهد فيه شيء فهو باق على اشتباهه بالنسبة إلى العلماء و غيرهم، كشيء وجده في بيته و لم يدر هل هو له أو لغيره، و حينئذ اختلفوا فيما يأخذ به، فقيل بحلّه و الورع تركه، و قيل بحرمته لأنّه يوقع في الحرام، و قيل لا يقال فيه واحد منهما، قال القرطبي [٣] و الصواب الأوّل. قال المصنف أي النووي الظاهر أنّ هذا الخلاف مخرّج على الخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع و فيه أربعة مذاهب. الأول و هو الأصح أنّه لا يحكم بتحليل و لا تحريم و لا إباحة و لا غيرها، لأنّ التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلّا بالشرع.
و الثاني أنّ الحكم الحلّ و الإباحة. قال القرطبي دليل الحلّ أنّ الشرع أخرجها من قسم الحرام، و أشار إلى أنّ الورع تركها بقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). [٤] و ممن عبّر بأنّها حلال
[١] اتحاف السادة المتقين ٦/ ٧، المغني عن حمل الأسفار للعراقي ٢/ ٩٠، موسوعة أطراف الحديث ٨/ ١٣٤.
[٢] هو اسحاق بن ابراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب ابن راهويه. ولد عام ١٦١ ه/ ٧٧٨ م. و توفي بنيسابور عام ٢٣٨ ه/ ٨٥٣ م. عالم خراسان في عصره. أحد كبار حفاظ الحديث، ثقة فيه. له بعض التصانيف. الاعلام ١/ ٢٩٢، تهذيب ابن عساكر ٢/ ٤٠٩، ميزان الاعتدال ١/ ٨٥، وفيات الاعيان ١/ ٦٤، حلية الأولياء ٩/ ٢٣٤.
[٣] هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، ابو عبد اللّه القرطبي. توفي بمصر عام ٦٧١ ه/ ١٢٧٣ م. من كبار المفسرين، فقيه، متعبد صالح. له مؤلفات هامة. الاعلام ٥/ ٣٢٢، نفح الطيب ١/ ٤٢٨، الديباج ٣١٧
[٤] اخرجه النسائي ٨/ ٣٢٧- ٣٢٨ في الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات. الترمذي ٢٥٢٠ في صفة القيامة باب اعقلها و توكل. مسند أحمد ١٧٢٣ و صحّحه ابن حبان ٥١٢، الحاكم ٢/ ١٣.