كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٦٤ - التقسيم
«لعن اللّه الراشي و المرتشي» [١]. و في الحموي حاشية الأشباه و النظائر الرّشوة لا تملك، و لو أخذ مورثه رشوة أو ظلما إن علم بذلك بعينه لا يحلّ له أخذه، و إن لم يعلمه بعينه له أخذه حكما. و أما في الديانة فيتصدّق به بنية الخصماء انتهى. و في دستور القضاة [٢] و إن ارتشى القاضي أو أحد من أصحابه ليعين للراشي عند القاضي و لم يعلم القاضي بذلك و قضى للراشي نفذ قضاؤه، و يجب على القابض ردّ ما قبض و يأثم الراشي. و إن علم القاضي بذلك فقضاؤه مردود، و هو كما ارتشى بنفسه و قضى للراشي انتهى. و في نصاب الاحتساب الرّشوة على أربعة أوجه: إمّا أن يرشوه لأنّه قد خوّفه فيعطيه ليدفع الخوف عن نفسه، أو يرشوه ليسوّي بينه و بين السلطان، أو يرشوه ليتقلّد القضاء من السلطان، أو يرشوه للقاضي ليقضي له، ففي الوجه الأول لا يحلّ الأخذ لأنّ الكفّ عن التخويف كفّ عن الظلم و أنّه واجب حقّا للشرع، فلا يحل أخذه لذلك، و يحلّ للمعطي الإعطاء لأنّه جعل المال وقاية للنفس و هذا جائز موافق للشرع.
فلذلك نقول في المحتسب إذا خوّف إنسانا بظلم و أعطاه ذلك الإنسان ليدفع عنه ذلك الخوف فهو جائز للمعطي، و يحرم على المحتسب. و في الوجه الثاني أيضا لا يحلّ للآخذ لأنّ الإقامة بأمور المسلمين و إعانة الملهوفين عند القدرة عليها واجب على الكفاية ديانة و حقا للشرع بدون المال، فهو يأخذ المال عمّا وجب عليه الإقامة بدونه، فلا يحلّ له الأخذ. فإذا أخذ المال من المظلوم بالشرط فهو حرام. لكن لمّا لم يكن واجبا عليه عينا بل يسع له تركه في الجملة، أي إذا باشره أحد غيره لكفاه. فبناء على هذا لو أخذ شيئا بعد إنجاحه مرامه بلا شرط أصلا فهو على الاختلاف المذكور. فقال بعضهم إنّه حلال نظرا إلى عدم الوجوب عليه عينا و إلى جواز الترك في الجملة. و قال بعضهم إنّه حرام نظرا إلى نفس الوجوب و إن كان على الكفاية، و لأنّه إذا أدّاه كان أداء للواجب، فكان اعتياضا عن الواجب، و هو حرام، بخلاف القاضي و أمثاله فإنّه واجب عليه عينا. فلهذا يحرم عليه مطلقا أي سواء كان بشرط أو لا بشرط، و سواء كان قبل الحكم أو بعده، و هذه الحرمة بالإجماع بلا خلاف أحد. و في الوجه الثالث لا يحل الأخذ و الإعطاء، و هكذا في أصحاب محتسب الملك إذا أخذوا شيئا من النائبين على الاحتساب في القصبات ليسوّوا أمرهم في نيابتهم ليتقرروا على عهدة الاحتساب فهو حرام، كما في الرشوة في باب السعي بين القضاة و بين السلطان ليوليهم على القضاء. و في الوجه الرابع حرم الأخذ سواء كان القضاء بحقّ أو بظلم. أمّا بظلم فلوجهين: الأول أنّه رشوة و الثاني أنّه سبب للقضاء بالحرام، و أما بحقّ فلوجه واحد و هو أنّه أخذ المال لإقامة الواجب. أمّا الإعطاء فإن كان لجور لا يجوز، و إن كان لحقّ أي لدفع الظلم عن نفسه أو عن ماله جاز لما بيّنا. فعلى هذا المحتسب أو القاضي إذا أهدي إليه فممّن يعلم أنّه يهدي لاحتياجه إلى القضاء و الحسبة لا يقبل، و لو قبل كان رشوة. و أمّا ممّن يعرف أنّه يهدي للتودّد و التحبّب لا للقضاء و الحسبة فلا بأس بالقبول منه لأنّ الصحابة كانوا يتوسّعون في قبول الهدايا منهم، و هذا لأنّ الهدية كانت عادتهم و كانوا لا يلتمسون منهم شيئا، و إنّما كانوا يهدون لأجل التودّد و التحبّب و كانوا يتوحّشون بردّ هداياهم، فلا يمكن فيه معنى الرشوة، فلهذا كانوا
[١] شرح السنة للبغوي: ١٠/ ٨٧ رقم ٢٤٩٣، حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ١٦٤، و ١٩٠ و ١٩٤.
أبو داود (٣٥٨٠) ، الترمذي ١٣٣٧، ابن ماجة ٢٣١٣.
[٢] فارسي للقاضي مسعود الرازي. و لم يذكر حاجي خليفة تاريخ وفاته. كشف الظنون، ١/ ٧٥٤.