كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٥٢ - فائدة
بالقصد و الاختيار بحيث يستلزم الإذعان و القبول فهو تصديق لغوي و إن لم يكن كذلك كمن وقع بصره على شيء و علم أنه جدار فهو معرفة يقينية و ليس بتصديق لغوي. فالتصديق اللغوي عنده أخصّ من المنطقي. و ذهب البعض إلى الأول و قال: الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصوّر و أنّ التصديق المنطقي بعينه التصديق اللغوي، و فيه أنّ التصديق اللغوي قطعي و المنطقي أعمّ من القطعي و الظني لكونه قسما من العلم الشامل للظني و القطعي عند المنطقيين انتهى.
و عند المتكلمين و المنطقيين يطلق على قسم من العلم المقابل للتصوّر و يسمّيه البعض بالعلم أيضا كما في العضدي. قالوا العلم إن خلا عن الحكم فتصوّر و إلّا فتصديق. و معنى الخلوّ و عدمه عند المتكلمين على تقدير كون العلم صفة ذات تعلّق أن لا يوجبه الحكم أو يوجبه. و على تقدير كونه نفس التعلّق أن لا يكون نفس الحكم أو أن يكون نفسه لأنّ التمييز في قولهم هو تميز معنى إلخ عبارة عن النفي و الإثبات، و هو الحكم و يجيء ما يوضح ذلك في لفظ العلم. و كذا معناهما على مذهب الحكماء الأقدمين، فإنّ التصديق عندهم هو نفس الحكم المفسّر بإدراك أنّ النسبة واقعة أو ليست واقعة. و أمّا معناهما على مذهب الإمام الرازي القائل بأنّ التصديق عبارة عن مجموع تصوّر النسبة الحكمية و الطرفين و الحكم فظاهر، فإنّ قولهم إن خلا الموصول بعن مصدره الخلوّ المفسّر به تهي شدن، و المتبادر منه عدم الحصول. فمعنى التقسيم العلم إن خلا عن الحكم بأن لم يحصل فيه فتصوّر و إن لم يخل [عنه] [١] بأن حصل فيه فتصديق. فظاهر هذه العبارة مبني على هذا المذهب و يمكن تطبيقه أيضا على مذهب متأخري الحكماء القائلين بأنّ التصديق هو الإدراكات الثلاث المقارنة للحكم، بأن يراد بالخلوّ عدم الحصول فيه أو عنده.
فالعلم عندهم إن خلا عن الحكم أي لم يحصل عنده حكم فتصوّر و إلّا فتصديق، لكنه خلاف الظاهر. فالحكم عند الرازي داخل في التصديق و عند متأخري المنطقيين خارج عنه.
و يردّ على الإمام و عليهم أنّ الإدراكات علوم متعددة فلا تندرج تحت العلم الواحد.
و أيضا التصوّر مقابل للتصديق و لا شيء من أحد المتقابلين بجزء من المقابل الآخر و لا شرطا له. و أجيب عن الأول بأنّ التصديق و إن كان متعددا في حدّ ذاته لكنه واحد بالاعتبار لعروض الهيئة الاجتماعية. و عن الثاني بأنّ التقابل إنّما هو بين مفهومي التصوّر، و المعتبر في التصديق جزءا أو شرطا هو ما صدق عليه التصوّر الساذج لا مفهومه، و لو لم يجز كون ما صدق عليه أحد المتقابلين جزءا للآخر لامتنع أن يكون شيء جزءا لغيره فإنّ جزء الجسم مثلا ليس بجسم ضرورة.
و يردّ على المتأخرين أنّ الحكم على مذهبهم خارج عن التصديق عارض له مع كونه موصوفا بصفات الحكم من كونه ظنيا أو جازما يقينيا أو غيره. أجيب بأنّه لا مشاحة في الاصطلاح و لا محذور في إجراء صفات اللاحق على الملحوق و لا يخفى أنّه تعسّف.
قال السيد السّند: و التحقيق أن الحكم إن كان إدراكا كما يشهد به رجوعك إلى وجدانك إذ لا يحصل بعد تصوّر النسبة الحكمية إلّا إدراك أنّ النسبة بواقعة أو ليست واقعة، فالصواب أن يجعل نفس الحكم تصديقا و قسما من العلم المقابل للتصوّر الذي هو ما عداه من الادراكات كما ذكره القدماء، إذ لا إشكال
[١] عنه (+ م، ع).