كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٩٩ - تقسيم
كون الحكم بمعنى الأثر الثابت بالشيء إنما هو من أوضاع الفقهاء و اصطلاحات المتأخرين انتهى. و في التوضيح يطلقون الحكم على ما ثبت بالخطاب كالوجوب و الحرمة مجازا بطريق إطلاق اسم المصدر على المفعول كالخلق على المخلوق. لكن لما شاع فيه صار منقولا اصطلاحيا و هو حقيقة اصطلاحية انتهى.
و حاصل هذا أنّ الحكم عند الفقهاء هو أثر خطاب الشارع.
و منها الأثر المترتّب على العقود و الفسوخ كملك الرقبة أو المتعة أو المنفعة المترتّب على فعل المكلّف و هو الشراء. و في التلويح في باب الحكم إطلاق الحكم في الشرع على خطاب الشارع و على الأثر المترتّب على العقود و الفسوخ إنّما هو بطريق الاشتراك انتهى. فعلم من هذا أنّ إطلاق الحكم على الأثر الثابت بالشيء ليس من أوضاع الفقهاء كما ذكره صاحب العارفية، اللهم إلّا أن يراد بالشيء خطاب الشارع أو العقود و الفسوخ. نعم إطلاقه بهذا المعنى شائع في عرفهم و عرف غيرهم.
قال المولوي عصام الدين في حاشية الفوائد الضيائية: تفسير الحكم بالأثر المترتّب على الشيء مما أتى به أقوام بعد أقوام و إن لم أعثر على مأخذه في أفانين الكلام انتهى.
و منها الخاصة كما وقع في الحاشية الهندية في بحث المعرب. قال في الهادية هذا من قبيل ذكر اللازم و إرادة الملزوم لأنّ حكم الشيء أي أثره لا يكون إلّا مختصا به ضرورة استحالة توارد المؤثّرين على أثر واحد.
تقسيم
ما يطلق عليه لفظ الحكم شرعا على ما اختاره صدر الشريعة في التوضيح هو ما حاصله أنّ الحكم إمّا حكم بتعلّق شيء بشيء أو لا. فإن لم يكن فالحكم إمّا صفة لفعل المكلّف أو أثر له. فإن كان أثرا كالملك فلا بحث هاهنا عنه، و إن كان صفة فالمعتبر فيه اعتبارا أوليا إمّا المقاصد الدنيوية أو الأخروية.
فالأول ينقسم الفعل بالنظر إليه تارة إلى صحيح و باطل و فاسد و تارة إلى منعقد و غير منعقد، و تارة إلى نافذ و غير نافذ، و تارة إلى لازم و غير لازم، و الثاني إمّا أصلي أو غير أصلي.
فالأصلي إمّا أن يكون الفعل أولى من الترك أو الترك أولى من الفعل، أو لا يكون أحدهما أولى. فالأوّل إن كان مع منع الترك بدليل قطعي ففرض أو بظني فواجب، و إلّا فإن كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين فسنة، و إلّا فندب. و الثاني إن كان مع منع الفعل فحرام و إلّا فمكروه. و الثالث مباح و غير الأصلي رخصة. و إن كان حكما بتعلّق شيء بشيء فالمتعلّق إن كان داخلا فركن، و إلّا فإن كان مؤثّرا فيه فعلّة، و إلّا فإن كان موصلا إليه في الجملة فسبب، و إلّا فإن توقّف الشيء عليه فشرط، و إلّا فعلامة. و إنّما قلنا هذا تقسيم ما يطلق عليه لفظ الحكم شرعا إذ لو أريد بالحكم خطاب الشارع أو أثره لا يشمل الحكم نحو الملك لأنّ الملك إنّما ثبت بفعل المكلّف لا الخطاب. فالمقصود هاهنا بيان أقسام ما يطلق عليه لفظ الحكم في الشرع. فإنّ التحقيق أنّ إطلاق الحكم على خطاب الشرع و على أثره و على الأثر المترتّب على العقود و الفسوخ إنّما هو بطريق الاشتراك، هكذا ذكر في التلويح في باب الحكم. و مثل هذا تقسيمهم العلّة إلى سبعة أقسام كما يجيء في محله.
اعلم أنّ أفعال المكلّف اثنا عشر قسما لأنّ ما يأتي به المكلّف إن تساوى فعله و تركه فمباح، و إلّا فإن كان فعله أولى فمع المنع عن الترك واجب و بدونه مندوب. و إن كان تركه أولى فمع المنع عن الفعل بدليل قطعي حرام و بدليل ظنّي مكروه كراهة التحريم، و بدون المنع