كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣١ - علم التفسير
و فائدة علم الكلام و غايته الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان و إرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة لهم، و الزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، و حفظ قواعد الدين عن ان يزلزلها شبهة المبطلين، و أن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها و إليه يؤول أخذها و اقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصوّر علم تفسير و لا علم فقه و أصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس، و غاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين.
و من هذا تبيّن [١] مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، و أيضا دلائله يقينية، يحكم بها صريح العقل و قد تأيّدت بالنقل، و هي أي شهادة العقل مع تأيّدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل. و أما مسائله التي هي المقاصد فهي كلّ حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. و الكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلّها، و فيه تثبت موضوعاتها و حيثياتها، فليست له مباد تبين في علم آخر شرعيا أو غيره، بل مباديه إمّا مبيّنة بنفسها أو مبيّنة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية و مباد لمسائل أخر منه لا تتوقّف عليها، لئلّا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقّف عليها إثبات العقائد أصلا و لا دفع الشّبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيرا للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمدّ غيره من العلوم الشرعية و هو لا يستمد من غيره أصلا، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الإسلام قد دوّنوا لإثبات العقائد الدينية المتعلّقة بالصانع و صفاته و أفعاله، و ما يتفرّع عليها من مباحث النبوّة و المعاد، علما يتوصّل به إلى إعلاء كلمة الحقّ فيها، و لم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد، و المباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقّفها عليها باعتبار موادّ أدلتها أو باعتبار صورها، و جعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علما مستغنيا في نفسه عمّا عداه، ليس له مباد تبين في علم آخر.
و أمّا وجه تسميته بالكلام فلأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، أو لأنّ أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل. و أما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه؛ و على هذا القياس في البواقي من أسمائه، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف، و منها:
علم التفسير:
و هو علم يعرف به نزول الآيات و شئونها و أقاصيصها و الأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيها و مدنيّها، و محكمها و متشابهها، و ناسخها و منسوخها، و خاصّها و عامّها، و مطلقها و مقيّدها، و مجملها و مفسّرها، و حلالها و حرامها، و وعدها و وعيدها، و أمرها و نهيها، و أمثالها و غيرها. و قال أبو حيان [٢]: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن و مدلولاتها و أحكامها الإفرادية
[١] يتبين (م).
[٢] أبو حيان: هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي الجيّاني، اثير الدين أبو حيان. ولد بجهة غرناطة عام ٦٥٤ ه/ ١٢٥٦ م و توفي بالقاهرة عام ٧٤٥ ه/ ١٣٤٤ م. من كبار العلماء بالعربية و التفسير