كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٠ - علم الكلام
دوّن للعمليات الفقه.
و المراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلاة و السلام سواء كانت صوابا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها [١]، فلا يتعذّر الإحاطة بها و الاقتدار على إثباتها، و إنما تتكثر وجوه استدلالاتها و طرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتّى الإحاطة بكلّها، و إنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام.
و موضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقا قريبا أو بعيدا، و ذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم و الوحدة للصانع، و إما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، و جواز الخلاء و انتفاء الحال، و عدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، و كون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته، و الشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، و المعدوم و الحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقا قريبا، و إن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقا بعيدا.
و للبعد مراتب متفاوتة؛ و قد يقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضا، فأولى أن يقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. و قال القاضي الارموي [٢]: موضوعه ذات اللّه تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية و السلبية، و عن أفعاله إمّا في الدنيا كحدوث العالم، و إمّا في الآخرة كالحشر، و عن أحكامه فيهما كبعث الرسل و نصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أو لا، و الثواب و العقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا، و فيه بحث، و هو أنّ موضوع العلم لا يبيّن وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إمّا كون إثبات الصانع بيّنا بذاته و هو باطل، أو كونه مبيّنا في علم آخر سواء كان شرعيا أو لا، على ما قال الأرموي، و هو أيضا باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. و أيضا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علما شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر جدا. و قال طائفة و منهم حجّة الإسلام [٣]: موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيّد بشيء؛ و يمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أنّ البحث فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل، وافق الإسلام أو لا، كما في الإلهي، و فيه أيضا بحث إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعا، مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام و مسائله من مسائل الكلام.
[١] لا يزاد فيها (م).
[٢] الأرموي: هو محمود بن أبي بكر بن أحمد، أبو الثناء، سراج الدين الأرموي. ولد بنواحي أذربيجان عام ٥٩٤ ه/ ١١٩٨ م و توفي بمدينة قونية عام ٦٨٢ ه/ ١٢٨٣ م. عالم بالأصول و المنطق، فقيه شافعي. تنقل في البلاد و له كثير من المصنفات. الأعلام ٧/ ١٦٦، طبقات السبكي ٥/ ١٥٥، معجم المطبوعات ١/ ٤٢٧، هدية العارفين ٢/ ٤٠٦.
[٣] حجة الإسلام: الغزالي هو الإمام محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجّة الإسلام. ولد بطوس بنواحي خراسان عام ٤٥٠ ه/ ١٠٥٨ م و فيها توفي عام ٥٠٥ ه/ ١١١١ م. فيلسوف، فقيه و صوفي، له العديد من المصنفات الهامة. الأعلام ٧/ ٢٢، وفيات الأعيان ١/ ٤٦٣، طبقات الشافعية ٤/ ١٠١، شذرات الذهب ٤/ ١٠، الوافي بالوفيات ١/ ٢٧٧، مفتاح السعادة ٢/ ١٩١، تبيين كذب المفتري ٢٩١، تاريخ آداب اللغة ٣/ ٩٧، اللباب ٢/ ١٧٠ و غيرها.