كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٩٤ - فائدة
العلماء هذا الأمر من خصائصه صلى اللّه عليه و سلم.
و الآن ذهب قوم إلى أنّ هذه الأحاديث تحمل على من رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم بصورته و حليته المخصوصة التي كانت له فقط.
و توسّع قوم فقالوا: سواء رآه بشكله و صورته في خلال حياته كلّها، أي سواء كان شابا أو كهلا أو في أواخر عمره.
و ضيق بعضهم فقالوا: لا بدّ من أن يراه بالصورة النهائية التي غادر بها الدنيا. و قال جماعة آخرون: إنّ رؤية الرسول صلى اللّه عليه و سلم بحليته المعروفة و صفاته الموصوفة (في كتب الشمائل) هو رؤية كاملة و حقيقية و إدراك لذاته الكريمة.
و أمّا رؤيته على غير تلك الحالة فهي إدراك للمثال. و كلا النوعين رؤيا حقّ و ليست من أضغاث الأحلام، و لا يتمثّل الشيطان بواحدة منهما. لكن النوع الأول حقّ و حقيقة و الثاني حقّ و تمثيل. و لا حاجة بالأول إلى التعبير لعدم وجود شبهة أو لبس. و النوع الثاني بحاجة إلى تعبير و عليه: فإنّ معنى الحديث المذكور: بأيّ صورة أرى فهو حقّ و ليس من الباطل و لا من الشيطان.
و قال الإمام (النووي) محي السنة: إنّ هذا القول هو أيضا ضعيف، و الصحيح هو أنّه رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم سواء كان بصفاته المعروفة أو غير ذلك. و الاختلاف في الصفات لا يعني اختلاف الذات، فإذن: إنّ المرئي بأي لباس أو أيّ صفة كانت فهو عينه.
و للإمام الغزالي في هذا المقام تحقيق آخر: و مبناه أنّ الإنسان مركّب من جزءين، أحدهما: الروح و هي مجرّدة، و البدن و هو آلة لإيصال الإدراك إليه. و إنّما مراد الرسول من قوله: «فقد رآني» ليس معناه رأى جسمه بل مثالا و هو آلة لتوصيل ذلك المعنى الذي في نفسي بواسطة تلك الآلة، و بدن الإنسان في اليقظة أيضا ليس إلا آلة للنفس لا أكثر.
و الآلة حينا تكون حقيقية، و تارة تكون خيالية. إذن فما يراه النائم من شكل و مثال الروح المقدّسة الذي هو محلّ النبوة و ليس جسمه أو شخصه.
و مثل هذا رؤية الحقّ سبحانه في المنام فهو منزّه عن الشكل و الصورة و لكن الغاية تصبح بواسطة التعريفات الإلهية لدى العباد بواسطة الأمثلة النورانية المحسوسة أو الصور الجميلة، و هذا يشبه الآلة.
و هكذا رؤية النبي صلى اللّه عليه و سلم الذي تعتبر ذاته الطاهرة روحا مجرّدة عن الشّكل و الصورة و اللون، و لكنه لمّا كان في حال الحياة فإنّ روحه المقدّسة كانت متعلّقة بذلك البدن الذي هو آلة لإدراك الروح و رؤيتها.
و أمّا بعد ما توارى بدنه الشريف في الروضة النبوية المطهّرة فإنّ الرائين (للنبي صلى اللّه عليه و سلم) إنما يرون طبقا لمصلحة الوقت و وفقا لتناسب حال الرائي مع الآلات و الوسائط لإدراك روح النبي صلى اللّه عليه و سلم.
فليس المرئي روحه المجرّدة و لا جسمه و بدنه الشريف المخصوص، لأنّ حضور شخص متمكّن في مكان مخصوص و زمان ما بصفات متغايرة و صور مختلفة في أمكنة متعددة لا يتصوّر إلا بطريق التمثّل كما رئيت صورة شخص ما في عدد من المرايا المختلفة و عليه فالمرئي في رؤى الرائين إنّما هو مثالات للروح المقدّسة و هي حقّ. و لا طريق للقول ببطلان ذلك.
أمّا اختلاف الأمثلة فلاختلاف أحوال مرايا القلوب لدى الرائين مثلما تفاوت الأحوال للصّور بحسب تفاوت أحوال المرايا، و إذن:
فكلّ من رآه بصورة حسنة فذلك من حسن دينه، و كلّ من رآه على عكس ذلك فذلك نقصان دينه.
و هكذا إن رآه أحدهم شيخا و الآخر شابا و بعضهم طفلا، و أحدهم راضيا و آخر غضبان،