كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٢٤ - فائدة
فافهم، و منهم من ظهرت فيه الحياة على صورتها لكن غير تامة و هو الإنسان الحيواني و الملك و الجنّ فإنّ كلا من هؤلاء موجود لنفسه يعلم أنّه موجود و أنّه كذا و كذا، و لكنّ هذا الوجود له غير حقيقي لقيامه بغيره. فربّه موجود للحق لا له، و كانت حياة ربّه حياة [١] غير تامة. و منهم من ظهرت فيه لا على صورتها و هي باقي الحيوانات، و منهم من بطنت فيه الحياة فكان موجودا لغيره لا لنفسه كالنباتات و المعادن و المعاني و أمثال ذلك، فسارت الحياة في جميع الأشياء. فما موجود إلّا و هو حي لأنّ وجوده عين حياته، و ما الفرق إلّا أن يكون تامّا أو غير تام، بل ما تمّ إلّا من حياته التّامة لأنّه على القدر الذي تستحقه مرتبة، فلو نقص أو زاد لعدمت تلك المرتبة. فما في الوجود إلّا ما هو حي بحياة تامة و لأنّ الحياة عن واحدة و لا سبيل إلى نقص فيها و لا إلى انقسام لاستحالة تجزئ الجوهر الفرد. فالحياة جوهر فرد موجود بكماله في كل شيء، فشيئية الشيء هي حياته و هي حياة اللّه التي قامت الأشياء بها، و ذلك هو تسبيحها من حيث اسمه الحي لأن كل موجود يسبح الحق من حيث كل اسم فتسبيحه من حيث اسمه الحيّ هو عين وجوده بحياته و من حيث اسمه العليم هو دخولها تحت علمه. و قولها لها يا عالم هو كونها أعطاها العلم من نفسها بأن حكم عليها أنّها كذا و كذا و تسبيحها له من حيث اسمه السميع هو إسماعها إيّاه كلامها، و هو ما استحقّ حقائقها بطريق الحال فيما بينها و بين اللّه بطريق المقال، و من حيث اسمه القدير هو دخولها تحت قدرته، و قس على ذلك باقي الأسماء.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ حياتها محدّثة بالنسبة إليها قديمة بالنسبة إلى اللّه تعالى لأنّها حياته، و حياته صفة له قديمة. و متى أردت أن تتعقل ذلك فانظر إلى حياتك و قيّدها بك فإنّك لا تجد إلّا روحا يختصّ بك، و ذلك هو المحدث. و متى رفعت النظر في حياتك من الاختصاص بك و ذقت من حيث الشهود أنّ كل حي في حياته كما كنت فيها و شهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات، علمت أنّها الحياة الحق التي أقام بها العالم و هي الحياة القديمة الإلهية.
و اعلم أنّ كلّ شيء من المعاني و الهيئات و الأشكال و الصور و الأقوال و الأعمال و المعادن و النباتات و غير ذلك مما يطلق عليه اسم الوجود فإنّ له حياة في نفسه لنفسه، حياة تامة كحياة الإنسان. لكن لمّا حجب ذلك عن الأكثرين نزّلناه عن درجة الإنسان و جعلناه موجودا لغيره، و إلّا فكلّ شيء له وجود في نفسه لنفسه و حياة تامة، بها ينطق و يعقل و يسمع و يبصر و يقدر و يريد و يفعل ما يشاء و لا يعرف هذا إلّا بطريق الذوق و الكشف، و أيّد ذلك الإخبارات الإلهية من أنّ الأعمال تأتي يوم القيمة صورا تخاطب صاحبها فتقول له عملك ثم يأتيه غيرها و تطرده و تناجيه. و من هذا القبيل نطق الأعضاء و الجوارح، انتهى ما في الإنسان الكامل.
فائدة:
اختلف العلماء في حياته تعالى. فذهب الحكماء و أبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أنها صحة العلم و القدرة. و قال الجمهور من الأشاعرة و من المعتزلة إنّها صفة توجب صحّة العلم و القدرة. و قال صاحب الإنسان الكامل إنّها هي وجوده لنفسه كما عرفت.
[١] حياته (م، ع).