كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٥٠ - حرف الراء (ر)
بإيجاب اللّه تعالى كالعبادات الخمس و نحوها، و الرّخصة ما وسع للمكلّف فعله لعذر فيه مع قيام السّبب المحرّم، فاختصّ العزيمة بالواجبات و خرج النّدب و الكراهة عنها من غير دخول في الرّخصة. و عليه يدلّ ما قال القاضي الإمام من أنّ العزيمة ما لزمنا من حقوق اللّه تعالى من العبادات و الحلّ و الحرمة أصلا بأنّه إلهنا و نحن عبيده، فابتلانا بما شاء. و الرّخصة إطلاق بعد الحظر لعذر تيسيرا. و بعبارة أخرى الرّخصة صرف الامر أي تغييره من عسر إلى يسر بواسطة عذر في المكلّف. و بعض من اعتبر الحصر فيهما قال: الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرّم لو لا العذر. و العزيمة بخلافها، هكذا في أصول الشافعية على ما قيل.
و حاصله أنّ دليل الحرمة إذا بقي معمولا به و كان التخلّف عنه لمانع طارئ في المكلّف لولاه لثبتت الحرمة في حقه فهو الرخصة، أي ذلك الحكم الثابت بطريق التخلّف عن المحرّم هو الرّخصة، و إلّا فهو العزيمة. فالمراد [١] بالمحرّم دليل الحرمة و قيامه بقاؤه معمولا به، و بالعذر ما يطرأ في حقّ المكلّف فيمنع حرمة الفعل أو التّرك الذي دلّ الدليل على حرمته.
و معنى قوله لو لا العذر أي المحرّم كان محرما و مثبتا للحرمة في حقّه أيضا. لو لا العذر فهو قيد لوصف التحريم لا للقيام و هذا أولى مما قيل من أنّ الرّخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرّم. و إنّما قلنا انه اولى لأنه يجوز ان يراد بالفعل في هذا التعريف ما يعمّ الترك بناء على أنّه كفّ، فخرج من الرّخصة الحكم ابتداء لأنّه لا محرّم، و خرج ما نسخ تحريمه لأنّه لا قيام للمحرّم حيث لم يبق معمولا به و خرج ما خصّ من دليل المحرّم لأنّ التخلّف ليس لمانع في حقّه بل التخصيص بيان أنّ الدليل لم يتناوله، و خرج أيضا وجوب الطعام في كفارة الظّهار عند فقد الرّقبة لأنّه الواجب في حقّه ابتداء على فاقد الرقبة، كما أن الاعتاق هو الواجب ابتداء على واجدها، و كذا خرج وجوب التيمّم على فاقد الماء لأنّه الواجب في حقّه [٢] ابتداء، بخلاف التيمّم للخروج و نحوه.
و بالجملة فجميع ما ذكره داخل في العزيمة و هي ما شرع من الأحكام لا كذلك أي لا لعذر مع قيام المحرّم لو لا العذر بل إنّما شرع ابتداء.
ثم الرخصة قد يكون واجبا كأكل الميتة للمضطر أو مندوبا كقصر الصلاة في السفر أو مباحا كترك الصوم في السفر. و قيل العزيمة الحكم الثابت على وجه ليس فيه مخالفة دليل شرعي، و الرّخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح. و يرد عليه جواز النّكاح فإنّه حكم ثابت على خلاف الدليل إذ الأصل في الحرّة عدم الاستيلاء عليها و وجوب الزكاة و القتل قصاصا، فإنّ كلّ واحد منهما ثابت على خلاف الدليل، إذ الأصل حرمة التعرّض في مال الغير و نفسه مع أن شيئا منها [٣] ليس برخصة. و قيل العزيمة ما سلم دليله عن المانع و الرّخصة ما لم يسلم عنه.
و قال فخر الإسلام: العزيمة اسم لما هو أصل من الأحكام غير متعلّق بالعوارض و الرّخصة اسم لما بني على أعذار العباد و هو ما يستباح [لعذر] [٤] مع قيام المحرّم. فقوله اسم لما هو أصل من الأحكام معناه اسم لما ثبت ابتداء بإثبات الشارع و هو من تمام التعريف.
و قوله غير متعلّق بالعوارض تفسير لأصالتها لا
[١] فالمقصود (م، ع).
[٢] في حقه (- م).
[٣] منهما (م).
[٤] [لعذر] (+ م، ع).